محمد حسين علي الصغير

97

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

المركزية ، وذلك بحسب ما تريده من إثارة النفس ، أو إلهاب العاطفة ، أو إذكاء الشعور في حالتي الترغيب والتنفير ، وهما حالتان متعلقتان بالحس العاطفي لدى الإنسان ، وناظرتان إلى الانفعالات الوجدانية في النفس الإنسانية . أ - في توجيه النفس نحو الترغيب تقف على « قاصرات الطرف » في حكايتها المجازية من قوله تعالى : وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ 48 كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ 49 « 1 » . والحدث حقيقي الوقوع بأبعاده التصويرية المتأنقة ، ولكنك ترى ما في الوصف ، والتعبير عن النساء بقاصرات الطرف وليس في طرفهن قصور ، من التراصف البياني المرتبط بإثارة النفس للتعلق بمن تنطبق عليه هذه العبارة ، أو تتحقق فيه هذه الأوصاف التي تطمئن إليها الروح الإنسانية وتهش لها الذات البشرية ، ويتطلع إليها الخيال متشوفا مع نقاء الصورة ، ولطف الاستدراج ورقة الترغيب المتناهي ، فقد وصف نساء أهل الجنة بحسن العيون الناظرة إلى أزواجها فحسب عفة وخفرا وطهارة ، دون التردد في النظر إلى هذا وذاك ، وأضاف إلى هذا الملحظ التشبيه الحسي بالبيض المكنون على عادة العرب في وصف من اشتد حجابه ، وتزايد ستره ، بأنه في كن عن التبرج ، ومنعة من الاستهتار . ب - وأما في التنفير ، فتزداد النفس عزوفا ، وتتوارى عن الصورة المتخيلة أو المتجسدة نفورا ، حتى يبدو الاشمئزاز منها واضحا ، والاستهانة بوخامتها متوقعا فضلا عن الهلع والرعب في صورة الهلع والرعب ، والخوف والتطير في نموذج الخوف والتطير إذا حققت هذا أو ذاك الصورة الشديدة في التنظير المجازي ، وإن شئت فضع يدك على الدلالة المجازية في إرسال الريح العقيم على عاد وهي ( ما تذر من شيء أتت عليه ) من قوله تعالى : وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ 41 ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ 42 « 2 » . سترى كيف ازدادت عندك الحالة المتصورة سوءا ، وكيف نفر منها

--> ( 1 ) الصافات : 48 - 49 . ( 2 ) الذاريات : 41 - 42 .