محمد حسين علي الصغير
95
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
الدقيق ، وهذه الظاهرة الأسولبية النموذجية إلى الخوض في تفصيلات الفاعل ، وتأويل صدور الفعل عنه . تقول الدكتورة عائشة عبد الرحمن ، ونحن نوافقها في هذا العرض ، لأنه من صميم منهجنا البياني : « وقد شغل أكثر المفسرين والبلاغيين بتأويل الفاعل ، عن الالتفات إلى اضطراد هذه الظاهرة الأسلوبية في هذا الموقف ، مع وضوحها إلى درجة العمد والإصرار : وسرّها البياني دقيق جليل : فاطراد إسناد الحدث إلى غير محدثه ، بالبناء للمجهول ، أو الإسناد المجازي ، أو المطاوعة ، يدل على التلقائية التي يكون بها الكون كله مهيئا للحدث الخطير ، وأن الكائنات مسخرة بقوة لذلك الحدث ، فما تحتاج فيها إلى أمر ، ولا إلى فاعل . . . وفيه كذلك ، تركيز الانتباه في الحدث ذاته ، وحصر الوعي فيه ، فلا يتوزع في غيره » « 1 » . 3 - وإذا جئنا إلى الاتساع اللغوي في مجاز القرآن وجدنا ظاهرة أسلوبية شامخة ، وفصل المجاز اللغوي في القرآن يؤكد هذه الظاهرة بجميع أبعادها في التجوز والاتساع والمرونة ، وفيه غنية عن الإفاضة في هذا المدرك لأنه حافل بدلائل سلامة اللفظ اللغوي ، وسيرورته في المعاني الجديدة التي لا تعامل الأصل باعتباره منسوخا أو مستغنيا عنه ، بل هو هو وهو مضاف إليه هذا الاتساع . تأمل في قوله تعالى : وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ « 2 » فإنك ستجد بيسر وسهولة كلمة « محيط » غير متخلية عن المعنى الأصل ، ولكنها على الصعيد المجازي ، تحمل دلالة بارزة جديدة ، تتعدى معنى الإحاطة التقليدية ، التي اعتاد السامع إدراكها مركزيا من اللفظ ، فليست إحاطة تعالى هاهنا إحاطة مكانية ، أو ظلية ، أو جسمية ، كإحاطة القلادة بالجيد ، أو السوار بالمعصم ، أو الخاتم بالبنان ، وإنما هي إحاطة مجازية مطلقة عن حدود الإحاطات المتعارفة ، وبديهي أن يراد بها إحاطة ذي القوة بمن ليس له
--> ( 1 ) بنت الشاطئ ، التفسير البياني : 1 / 85 . ( 2 ) البقرة : 19 .