محمد حسين علي الصغير
66
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
فكل هذه المعاني - كما رأيت - قد اشتملت على الإرادة المجازية وهو كاف للاستدلال على أصالة الاستعمال المجازي في القرآن . « ومن قدح في المجاز ، وهم أن يصفه بغير الصدق ، فقد خبط خبطا عظيما ، ويهدف لما لا يخفى » « 1 » . فهناك من أنكر المجاز في القرآن ، وهناك من حمل جمله من الاستعمال الحقيقي على المجاز ، وكلاهما قد تجاوز القصد ، وجانب الاعتدال في المذهب . وقد ناقش عبد القاهر الجرجاني ( ت : 471 ه ) هؤلاء وهؤلاء : « وأقل ما كان ينبغي أن تعرفه الطائفة الأولى ، وهم المنكرون للمجاز : إن التنزيل كما لم يقلب اللغة في أوضاعها المفردة عن أصولها ، ولم يخرج الألفاظ عن دلالتها ، كذلك لم يقبض بتبديل عادات أهلها ، ولم ينقلهم عن أساليبهم وطرقهم ، ولم يمنعهم ما يتعارفونه من التشبيه والتمثيل والحذف والاتساع . وكذلك كان من حق الطائفة الأخرى ، أن تعلم أنه عزّ وجلّ لم يرض لنظم كتابه الذي سماه هدى وشفاء ، ونورا وضياء ، وحياة تحيا بها القلوب ، وروحا تنشرح عنه الصدور ، ما هو عند القوم الذي خوطبوا به ، خلاف البيان ، وفي حد الإغلاق ، والبعد عن التبيان ، وأنه تعالى لم يمكن ليعجز بكتابه من طريق الإلباس والتعمية ، كما يتعاطاه الملغز من الشعراء ، والمحاجي من الناس ، كيف وقد وصفوه بأنه : عَرَبِيٌّ مُبِينٌ « 2 » « 3 » . وعبد القاهر في هذا يشير إلى الخلاف التقليدي في هذه المسألة ، أهي واردة أم هي منتفية ؟ كقضية لها بعدها الكلامي عند المتكلمين ، فلقد رفض أهل الظاهر استعمال صيغ المجاز في القرآن ، ووافقهم على هذا بعض الشافعية ، وقسم من المالكية ، وأبو مسلم الأصبهاني من المعتزلة « 4 » .
--> ( 1 ) عبد القاهر ، أسرار البلاغة : 361 . ( 2 ) النحل : 103 . ( 3 ) عبد القاهر ، أسرار البلاغة : 363 . ( 4 ) ظ : الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : 2 / 255 .