محمد حسين علي الصغير

52

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

السائر ، ويستخلص منها آخرون قواعد البلاغة وأسس البيان فتعرض على القرآن وتخضع له ، ومع كل هذه الجهود المتناثرة فلم أقف على عمل خاص ، وجهد قائم بذاته في مصنف منفرد في مجاز القرآن - كما أسلفنا - فجاء هذا البحث - بعون اللّه تعالى - متمحضا لهذا الغرض ، ومتخصصا فيه . وقد زعم الدكتور أحمد بدوي : « إن كثيرا ممن تعرضوا لدراسة المجاز في القرآن الكريم ، قد مضوا يلتمسون أمثلته ، يبوّبونه ويذكرون أقساما كثيرة له ، حتى بلغوا من ذلك حد التفاهة ، ومخالفة الذوق اللغوي » « 1 » . وهذا الزعم منحصر في جملة من النماذج التي لا تنهض دليلا قاطعا على صحة الرأي ، إذ يعارضه : أن ما كتب في مجاز القرآن بمعناه الاصطلاحي لا يتجاوز الدراسات الأنموذجية القائمة على سبيل المثال لا الحصر والاستقصاء ، والمثال قد يتكلف به ، وقد يأتي طيعا متساوقا ، وإذا كان الأمر كذلك ، فاختيار بعض البلاغيين للنماذج المقحمة لا يشكل حكما عاما بهذه السهولة . وكما لا نوافق على هذا الزعم ، فكذلك لا نميل أيضا إلى ما ذهب إليه الأستاذ عباس محمود العقاد من أن المجاز قد انتقل في اللغة العربية من الكتابة الهيروغليفية إلى الكتابة بالحروف الأبجدية « 2 » . فلا دليل على هذا من أثر أو تاريخ ، ولا وضوح في هذا الملحظ ، وهو شبيه بادّعاء الأثر الإغريقي واليوناني في البلاغة العربية ، فكلاهما لا يصدر عن نص موثوق ، أو دليل قاطع ، بل هي تكهنات لا تنهض مقياسا على صحة دعوى وأصالة رأي . فالمجاز وإن استعمل في اللغات العالمية الحية ولكنه يدور معها في حدود معينة ، وهو بخلاف هذا في لغة القرآن ، إذ الاستعمال المجازي فيها أساسي وليس أمرا عارضا ، لأنه أحد شقي الكلام وطرفيه ، وهما الحقيقة

--> ( 1 ) أحمد أحمد بدوي ، من بلاغة القرآن : 224 . ( 2 ) ظ : عباس محمود العقاد ، اللغة الشاعرة : 26 .