محمد حسين علي الصغير
35
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
انظر إليه وهو يتحدث عن أصالة « علم البيان » والمجاز أساسه وقاعدته الصلبة ببيان ساحر ، ومنطق جزل ، وهو يصرح باسمه اصطلاحا فيقول : « ثم إنك لا ترى علما هو أرسخ أصلا ، وأبسق فرعا ، وأحلى جنى ، وأعذب وردا ، وأكرم نتاجا وأنور سراجا من « علم البيان » الذي لولاه لم تر لسانا يحوك الوشي ، ويصوغ الحلي ، ويلفظ الدرر ، وينفث السحر ويقري الشهد ، ويريك بدائع من الزهر ، ويجنيك الحلو اليانع من الثمر ، والذي لولا تحفيه بالعلوم وعنايته بها ، وتصويره إياها ، لبقيت كامنة مستورة ، ولما استبنت لها - يد الدهر - صورة ، ولاستمر السرار بأهلتها ، واستولى الخفاء على جملتها ، إلى فوائد لا يدركها الإحصاء ، ومحاسن لا يحصرها الاستقصاء » « 1 » . لقد بحث عبد القاهر في أسرار البلاغة مفردات « علم البيان » وفي طليعتها المجاز ، وبحث في دلائل الإعجاز أغلب مفردات علم المعاني ، وكرّ أيضا على المجاز . والسبب في هذا واضح لأن المجاز القرآني من أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز . فالمجاز عنده في أسرار البلاغة نوعان : مجاز عن طريق اللغة ، وهو المجاز اللغوي ، ومضماره الاستعارة والكلمة المفردة . ومجاز عن طريق المعنى والمعقول ، وهو المجاز الحكمي ، وتوصف به الجمل في التأليف والإسناد « 2 » . وحد المجاز الحكمي « أن كل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضعه من العقل لضرب من التأويل فهي مجاز « 3 » . وقد فرّق بين المجاز العقلي واللغوي في الحدود والاستعمال والإرادة ، وقال : « أنه إذا وقع في الإثبات فهو متلقى من العقل ، وإذا عرض في المثبت فهو متلقى من اللغة » « 4 » . وكل من المجازين اللغوي
--> ( 1 ) عبد القاهر ، دلائل الإعجاز : 4 . ( 2 ) ظ : عبد القاهر ، أسرار البلاغة : 376 . ( 3 ) المصدر نفسه : 356 . ( 4 ) ظ : المصدر نفسه : 344 .