محمد حسين علي الصغير

29

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

وأجرى لقلمه العنان في حدود الاستعمال المجازي دون إيجاز مخلّ أو إطناب مملّ كما يقال . وهو في ذلك منظّر ومطبّق في آن واحد ، ومعتدّ برأيه البياني دون تردد ، فهو يورد المجاز ويشرحه ويستشهد عليه ، ويناقش فيه ، ويثبت القول الصراح باجتهاده القائم على أساس الكشف والإبداع والتبادر الذهني من خلال عمقه اللغوي ، ومنهجه البلاغي ، ومخزونه الثقافي المستفيض . وكان هذا العمل سبقا فريدا إلى الموضوع ، لم يشاركه فيه أحد قبله ، وقد سار على منواله من جاء بعده ولكن في حدود مقتضبة لم تنهض بكتاب مستقل فيما أعلم . « ومن هنا كان « تلخيص البيان » أول كتاب كامل ألف لغرض واحد ، وهو متابعة المجازات والاستعارات في كلام اللّه كله سورة سورة وآية آية ، ومن هنا كانت القيمة العلمية لهذا الكتاب الذي لم يؤلف مثله لهذا الغرض . فهو يقوم في التراث العربي الإسلامي وحده شاهدا على أن الشريف الرضي خطا أول خطوة في التأليف في مجازات القرآن واستعاراته تأليفا مستقلا بذاته ، ولم يأت عرضا في خلال كتاب ، أو بابا من أبواب مصنّف » « 1 » . وإنك لتجد في منهجه هذا شذرات تلتقط وأنت ضنين بها . 1 - ففي قوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ « 2 » فإنه ينفي الجسمية والجهة عن الباري تعالى ويوجهها نحو المجاز بقوله « أي جهة التقرب إلى اللّه ، والطريق الدالة عليه ، ونواحي مقاصده ومعتمداته الهادية إليه » « 3 » . 2 - وفي قوله تعالى اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ « 4 » .

--> ( 1 ) محمد عبد الغني حسن ، مقدمة تلخيص البيان : 30 . ( 2 ) البقرة : 115 . ( 3 ) الشريف الرضي : تلخيص البيان : 118 . ( 4 ) البقرة : 257 .