محمد حسين علي الصغير
25
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
غلط المتأولين كان من جهة المجاز في التأويل ، فتشعبت بهم الطرق ، واختلفت النحل ، وكان بإمكان هؤلاء أن يرجعوا إلى سعة المجاز ، فيحسم الأمر ، وتتبسط الدلالات ، لا أن يحملوا ما ورد منه في القرآن على الحقيقة فتضلّهم الشبهات . وقد عمد ابن قتيبة لأبعاض من آيات القرآن الكريم ، وشرح في ضوئها ما يذهب إليه أهل التأويل القائلين بالحقيقة دون المجاز ، ليعود بذلك إلى دائرة المجاز فينفي ما قالوا جملة وتفصيلا . وسيمر علينا في مجال التطبيق لآيات القرآن المزيد من رده على القائلين ببطلان المجاز في القرآن ، ومستشهدا على صحة القول به من خلال الاستعمال الميداني عند العرب في حياتهم اليومية لألفاظ متداولة ، وعبارات قائمة لا يمكن تأويلها إلا بالمجاز . ولكن الملاحظ عند ابن قتيبة أنه قد يخلط الحقيقة بالمجاز ، فتحار باعتباره المجاز أحيانا ، والحقيقة مجازا ، ويحشر لذلك جملة من الآيات القرآنية دليلا على الموضوع . فهو كما يرى أستاذنا الدكتور بدوي طبانة : لا يرى في إرادة الحقيقة عجبا في مثل قوله تعالى للسماء والأرض : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً وقولهما : أَتَيْنا طائِعِينَ « 1 » . أو قوله لجهنم هَلِ امْتَلَأْتِ فتقول : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ « 2 » . لأن اللّه تبارك وتعالى ينطق الجلود والأيدي والأرجل ويسخّر الجبال والطير بالتسبيح « 3 » . والحق أن ابن قتيبة صاحب مدرسة اجتهادية في استنباط المجاز من القرآن ، فهو يجيل فكره ، ويستعمل حدسه البلاغي في استكناه المجاز القرآني ليحقق مذهبه الكلامي في إثبات المجاز خلافا لفهم الطاعنين بوقوعه في القرآن . ففي قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا 96 « 4 »
--> ( 1 ) فصلت : 11 . ( 2 ) ق : 30 . ( 3 ) ظ : بدوي طبانة ، البيان العربي : 27 وانظر مصادره . ( 4 ) مريم : 96 .