محمد حسين علي الصغير
22
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
فالرماني الذي يعبر عن المجاز بالاستعارة ، ويضع الاستعارة في التطبيق موضع البحث ، إنما ينظر إليها باعتبارها عملا مجازيا يستدل به على وقوع المجاز في القرآن من وجه ، وعلى دلائل الإعجاز القرآني من وجه آخر . ويبدو أن نظرة البلاغيين في القرن الرابع من الهجرة كانت متحدة في هذا المقياس بإطاره العام ، فهذا أبو هلال العسكري ( ت : 395 ه ) قد أشار إلى المجاز بمعناه الواسع ونظّر له من القرآن الكريم في صنوف الاستعارات القرآنية ، وقد أوضح رأيه في التنصيص على ذلك بقوله : « ولا بد لكل استعارة ومجاز من حقيقة ، وهي أصل الدلالة على المعنى في اللغة » « 1 » . ويهمنا من هذا القول أنه جعل المجاز قسيما للحقيقة ، واعتبر الاستعارة كذلك لا فرق بينها وبين المجاز ، وكانت تطبيقاته في هذا المنهج استعارات القرآن . والحق أنا أبا هلال كان ذا حدس استعاري ، وحس بياني ، وذائقة بلاغية ناضجة فيما أورده من شواهد قرآنية في هذا المقام ، ففي قوله تعالى : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً « 2 » . يقول أبو هلال : « حقيقته عمدنا ، وقدمنا أبلغ ، لأنه دلّ فيه على ما كان من إمهاله لهم ، حتى كأنه كان غائبا عنهم ، ثم قدم فأطلع على غير ما ينبغي فجازاهم بحسبه ، والمعنى الجامع بينهما العدل في شدة النكير ، لأن العمد إلى إبطال الفاسد عدل ، وأما قوله هَباءً مَنْثُوراً فحقيقته أبطلناه ، حتى لم يحصل منه شيء ، والاستعارة أبلغ ، لأنه إخراج ما لا يرى إلى ما يرى » « 3 » . وكان السيد الشريف الرضي ( ت : 406 ه ) قد ألف كتابين في المجاز : لها أهمية نقدية وبلاغية في البحث البياني في القرآن وعند العرب وهما : « تلخيص البيان في مجازات القرآن » و « المجازات النبوية » ، وكان
--> ( 1 ) العسكري ، كتاب الصناعتين : 276 . ( 2 ) الفرقان : 23 . ( 3 ) العسكري ، كتاب الصناعتين : 277 .