محمد حسين علي الصغير

20

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

وهذا التعليل من ابن جني قائم على أساس نظرة الموحدين وأهل العدل في مقولتهم « لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين » . فاللّه سبحانه وتعالى موجد القوة في الإنسان على القيام ، والإنسان يؤدي ذلك القيام ، ولكن لا بحوله ولا قوته ، فليس هو قائما في الحقيقة ، بل الطاقة التي أوجدها اللّه تعالى عنده ، هي وما خوله إياه كانا عاملين أساسين في القيام ، فلا هو بمفرده قائم ، ولا القيام بمنفي عنه ، وإنما هو أمر بين أمرين ، فكان القيام بالنسبة إليه مجازا . ولا يهمنا هذا بقدر ما يهمنا إشارة ابن جني إلى المجاز في عدة مواضع من الخصائص ، لعل أهمها من يجعل فيه المجاز بعامة قسيما للحقيقة ، متحدثا عنه وعن خصائصه بإطار بلاغي عام قد يريد به التشبيه والاستعارة والمجاز بوقت واحد ، وذلك قوله : « إن الكلام لا يقع في الكلام ويعدل عن الحقيقة إليه إلا لمعان ثلاثة هي : الاتساع والتوكيد والتشبيه ، فإن عدمت هذه الأوصاف الثلاثة كانت الحقيقة البتة » « 1 » . ولا نريد أن نناقش ابن جني في هذا الاتساع وذلك التوكيد أو التشبيه كما فعل ابن الأثير ( ت : 637 ه ) في متابعته هذه الوجوه ، فذلك مما يخرج البحث عن دائرته إلى قضايا هامشية لا ضرورة إليها ، بل نقول أن المجاز في قيمته الفنية لا يختلف عن الحقيقة في قيمتها الفنية ، فكلاهما يهدف إلى الفائدة المتوخاة من الكلام . قال الحسن بن بشير الآمدي ( ت : 370 ه ) « الكلام إنما هو مبني على الفائدة في حقيقة ، ومجازه » « 2 » . وكان علي بن عيسى الرماني ( ت : 386 ه ) وهو ممن عاصر ابن جني ، ينظر إلى الاستعارة باعتبارها استعمالا مجازيا ، وعدّها أحد أقسام البلاغة العشرة ، واكتفى بذكرها عن ذكر المجاز « 3 » ، مما يعني أنه يرى فيما هو قسيم للحقيقة مجازا وذلك صريح قوله : « وكل استعارة حسنة فهي توجب بيان ما لا تنوب منابه الحقيقة ، وذلك أنه لو كان تقوم مقامه

--> ( 1 ) المصدر نفسه : 2 / 442 . ( 2 ) الآمدي ، الموازنة بين الطائيين : 179 . ( 3 ) ظ : الرماني ، النكت في إعجاز القرآن : 76 .