محمد حسين علي الصغير
18
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
( ت : 395 ه ) مما قد يعتبر بدايات اصطلاحية في إطار ضيق ، ولكنه قد يحدد بعض معالم الرؤية . فالجاحظ حينما يتحدث عن المجاز القرآني فإنه ينظّر له بقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً 10 « 1 » . ويعد هذا من باب المجاز والتشبيه على شاكلة قوله تعالى : أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ « 2 » . وعنده أن هذا قد يقال لهم ، وإن شربوا بتلك الأموال الأنبدة ، ولبسوا الحلل ، وركبوا الدواب ، ولم ينفقوا منها درهما واحدا في سبيل الأكل ، وتمام الآية إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً مجاز آخر ، . . . فهذا كله مختلف ، وهو كله مجاز « 3 » . والجاحظ هنا ينظر إلى المجاز باعتباره في قبال الحقيقة ، وهو قسيم لها ، في تنظيره له ، وتلك بداية لها قيمتها الفنية . ويرى البعض أن إطلاق المجاز في معناه الدقيق إنما بدأ مع المعتزلة ، وهم مجوزون له لوروده في القرآن ، وقد أشار إلى ذلك ابن تيمية ، واعتبر المجاز دون مبرر أمرا حادثا ، وفنا عارضا ، لم يتكلم به الأوائل من الأئمة والصحابة والتابعين ، فقال : « وتقسيم الألفاظ الدالة على معانيها إلى حقيقة ومجاز ، وتقسيم دلالتها أو المعاني المدلول عليها إن استعمل لفظا الحقيقة والمجاز في المدلول أو الدّلالة ، فإن هذا كله قد يقع في كلام المتأخرين ، ولكن المشهور أن الحقيقة والمجاز من عوارض الألفاظ ، وبكل حال فهذا التقسيم اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة الأولى . . وأول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز ، هو أبو عبيدة معمّر ابن المثنى في كتابه ،
--> ( 1 ) النساء : 10 . ( 2 ) المائدة : 42 . ( 3 ) ظ : الجاحظ ، الحيوان : 5 / 25 وما بعدها .