محمد حسين علي الصغير

134

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

المجيدة ، وكأنها المؤثر الحقيقي ، وإن كان الأثر من اللّه ، والتأثير بتوفيقه ، وكان ذلك من المجاز المرصود عقليا لكون الإثبات سببا في زيادة هذا الإيمان ، ولعل في ذلك إشارة واعية إلى النتائج الإيجابية في تلاوة الآيات أو الاستماع إليها ، أو الإنصات لدقائقها ، فيكون الحث عليها بهذا الأسلوب الجديد ، وكأنه أمر بصيغة الإخبار ، وتحضيض عن طريق الإنباء . 2 - وفي قوله تعالى : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 112 ) « 1 » ، عدة استعمالات مجازية متطورة ، يتعلق بعضها بالمجاز العقلي ، والآخر بالمجاز اللغوي في الاستعارة ، ولا حديث لنا معه ، والشأن في المجاز العقلي حيث وصف القرية بكونها آمنة مطمئنة ، وقد علم بالضرورة أن الأمن والاطمئنان لا تتصف بهما مرافق القرية وجدرانها ، وإنما يتنعم بهما أهلها وسكانها ، فعبر مجازا عن طريق إطلاق اسم المحل وهو القرية ، على الحال فيها وهم الأهل والساكنون ، وعبّر عن الرزق بأنه يأتي ، الرزق ليست له حركة ولا إرادة في التنقل والقصد ، وإنما اللّه تعالى هو الذي يسخر من يجلب الأرزاق إليها ، ويأتي بها - وهو الرزاق ذو القوة المتين - من كل مكان إلى تلك القرية أو هذه تعبيرا عن تنعمها وعيشها الرغيد ، فكأن الرزق يقصدها سائرا سادرا متوافرا . وفلسفة هذا المثل القرآني الفريد ، أن لا يكفر ذوو النعم بنعمهم ، فيصيبهم ما أصاب هذه القرية من التلبس بالجوع والخوف والإذلال . فالمجاز - إذن - وهو في سياق التشبيه التمثيلي المنتزع من صور متعددة ، من باب القياس التمثيلي ، وذلك من خصائص المجاز الفنية . 3 - وفي قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ( 28 ) « 2 » ، أضافت الآية إجلال البوار إلى الذين بدلوا نعمة اللّه كفرا ، وذلك بسبب من سوء أعمالهم وكفرهم وطغيانهم وكان ذلك

--> ( 1 ) النحل : 112 . ( 2 ) إبراهيم : 28 .