محمد حسين علي الصغير

130

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

العرب إلى اليوم ، وقد يشاركهم فيه جملة من العالم في الشرق والغرب بهذا الفهم وهذا التعبير ليس غير ، وهم يريدون ما تريد الآية من الإطلاق لدى التبادر الذهني العام ، إذ ليس للّه كرسي يجلس عليه هذه صفته بالكبر والاستطالة والتوسع ، ولكنه ترحيل باللفظ إلى المعنى المعبر عن مدى ملكه ، واتساع مملكته ، وترامي أطراف حكمه في المناحي السماوية والأرضية ، والسياق القرآني يساعد على هذا الحكم العقلي ، لنفي الجسمية والتشبيه والمكانية عنه عزّ وجلّ . وهذه السعة المدركة عقليا بضم العبارة بعضها لبعض ، لا تنافي أن يكون لفظ « الكرسي » بمفرده ، من المجاز اللغوي ، أو على سبيل الاستعارة ، ليلتقي المجازان العقلي في العبارة ، واللغوي في المفردة في التعبير عن تمكنه وسلطانه سبحانه وتعالى . ج - وفي قوله تعالى : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ( 41 ) « 1 » ، نلمس مجازا عقليا نستفيده لا بقرينة لفظية مقالية ، بل بقرينة معنوية حالية ، أدركها العقل ، وسلّمت بها الفطرة من خلال أحكام الألفاظ في العبارة ، وسياق الإسناد في التركيب ، فاللّه سبحانه وتعالى لا يشغله أمر عن أمر ، ولا يلهيه شأن عن شأن ، فهو قائم لا يسهو ، وإنما أراد بهذا التفرغ ، التوجه نحو الثقلين توجه المتفرغ الذي لا يعنيه غير هذا الموضوع في الوقت الذي يدير فيه جميع العالم ، ويستوعب جميع صنوف التدبير ، وذلك على طريقة العرب في سنن الكلام لدى التعبير عن التهيؤ والجد والتشمير ، فهو قاصد إليهم بعد الترك في فسحة الحياة ومحيط بهم الإمهال قبل الموت ، لا أنه كان مشغولا ففرغ ، أو في كائنة وانتهى منها ، وإنما هو المجاز بعينه الذي أشاع روح الرهبة في الوعيد ، وانتهى بأجراس النقمة في المجازاة ، دون شغل أو عمل صارفين . د - وتبقى ميزة التعبير القرآني مقترنة بالأسلوب العربي المبين ، في وضع المجاز بموضعه المناسب من الفن القولي ، حتى يكتسب ذلك التعبير في مجازيته العقلية طائفة مشرقة من الاعتبارات الإيحائية ، التي تلتصق

--> ( 1 ) الرحمن : 31 .