محمد حسين علي الصغير

123

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

حياة للقلوب على حد قوله تعالى : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا . . . « 1 » . فالمجاز في المثبت وهو الحياة ، فأما الإثبات فواقع على حقيقته لأنه ينصرف إلى أن الهدى والعلم والحكمة فضل من اللّه وكائن من عنده . ومن الواضح في ذلك قوله تعالى : فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها « 2 » وقوله تعالى : إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى « 3 » . جعل خضرة الأرض ونضرتها وبهجتها بما يظهره اللّه تعالى فيها من النبات والأنوار والأزهار وعجائب الصنع حياة لها ، فكان ذلك مجازا في المثبت من حيث جعل ما ليس بحياة حياة على النسبية ، فأما نفس الإثبات فمحض الحقيقة لأنه إثبات لما ضرب الحياة مثلا له فعلا للّه تعالى ، ولا حقيقة أحق من ذلك « 4 » . ويتابع عبد القاهر تقرير حقيقة الفصل بين المجاز اللغوي والعقلي ، بما يشبه الحكم القاطع الذي لا تردد معه ، فيقول : ومما يجب ضبطه في هذا الباب أن كل حكم يجب في العقل وجوبا حتى لا يجوز خلافه فإضافته إلى دلالة اللغة ، وجعله مشروطا فيها محال ، لأن اللغة تجري مجرى العلامات والسمات ، ولا معنى للعلامة والسمة حتى يحتمل الشيء ما جعلت العلامة دليلا عليه وخلافه « 5 » . * * * 2 - ولما كان المجاز العقلي إنما يعرف باعتبار طرفيه ، وهما المسند والمسند إليه ، لأنه إنما يقع في الجملة ، والجملة تعرف بالتركيب ، ولا علاقة لذلك بالألفاظ ذاتها دون إسنادها ، لأنه ليس من باب اللفظ المفرد فينظر له بالاستعارة ، ولا يرى في الكلمة المنقولة عن الأصل فينظر له في المجاز المرسل ، وإنما هو مكتشف من الإسناد وما يؤول إليه المعنى في

--> ( 1 ) الشورى : 52 . ( 2 ) فاطر : 9 . ( 3 ) فصلت : 39 . ( 4 ) عبد القاهر الجرجاني ، أسرار البلاغة : 343 وما بعدها . ( 5 ) المصدر نفسه : 347 .