محمد حسين علي الصغير

107

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

المجاز مستندا فيه إلى العرف العربي من وجه ، وإلى النظر العقلي من وجه آخر ، أما العرف العربي فهو يطلق الوجه ويريد به الذات اتصفت بالوجه أو لم تتصف ، باعتبار الوجه أشرف السمات الاعتبارية في حقائق الأشياء دون تصور جهة ما . وأما النظر العقلي فهو الدال على أن الباري فوق المحدثات والممكنات ولو كان له وجه حقيقة لكان محدثا أو ممكنا ، وهو خلاف ذاته الأبدية والأزلية . وفي الآية ( ج ) تتحدث الآية عن يد ويدين ، وليس لنا أن نتصور اليد ذات الأصابع ، أو اليدين في رسغ ومعصم وذراع ، وإنما هو التعبير بكلا الموضعين دون النظر إلى الواحدة أو الاثنينية - عن القوة والسيطرة والقدرة والاستيلاء حينا ، وعن الكرم والجود والإفاضة حينا آخر ، وذلك لوجود علاقة ومناسبة بين هذه الصفات وهذه الملكات وبين اليد أو اليدين ، فإن مظاهر العدة والقدرة والمقدرة إنما تصدر عن اليد وبها يتجلى مدى الاستيلاء المطلق ، وأن الفضل والنعمة والعطاء إنما تصدر عن اليد أيضا وبها يتبين نوع الكرم والإيثار ، والعرب على عادتهم قد يعبرون بأن لفلان عليّ يدا ، ويريدون نعمة ودالة حتى وإن لم تكن له يد حقيقة كأن كان مقطوع اليد مثلا ، وكذلك الحال هنا ، فليس لنا أن نتصور للّه يدا بالمعنى الحقيقي ، كما أنه تعالى ليس له عين في الآية ( د ) بالمعنى الحقيقي أيضا ، فهو بصير دون عين ، وسميع دون أذن ، والمراد بالآية : أي تجري بمرأى منا ، وبتسديد من رعايتنا ، وبنظرة من عنايتنا ، دون تصور العين الباصرة ، وما يقال بالنسبة للآيات المتماثلة التي تنص على ذكر الجوارح . وفي الآية ( ه ) ثم استوى إلى السماء الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى 5 « 1 » تعبير مجازي يؤكد الخصائص العقلية في مجاز القرآن ، للإشارة إلى الاستعلاء والسيطرة والتمكن النفوذ والحاكمية المطلقة على العوالم كافة علوية وسفلية ، مرئية وغير مرئية ، دون تصور جلوس أو مكان أو كرسي يقبل استواء الأجسام عليه ، وقد تناسق الحديث عن الاستواء بما يقال عن معناه عند الشريف الرضي فقال : « أي قصد خلقها كذلك ( أي

--> ( 1 ) طه : 5 .