داود العطار

57

موجز علوم القرآن

المطلب الخامس وجوه الإعجاز في القرآن القرآن معجز في كل وجه من وجوهه ، وحال من أحواله ، بداية ما نزل منه كآخر ما انتهى إليه ، ووسطه كطرفيه : نسيج فريد ، ونسق واحد ، ومستوى شاهق . وهو معجز في حركات حروفه ، وحروف كلماته ، وكلمات آياته وآيات سوره ، وسور مصحفه ، معجز فيما أخبر وفيها أنبأ ، وفيما أمر ونهى وفيما قرر ونفى ، معجز في الصياغة والنظم الموزون ، وفي التراكيب والمضمون . لا في عصر دون سائر العصور بل للجن والإنس إلى يوم يبعثون . ولا أظن أن أحدا من العلماء والباحثين ، من القدامى والمحدثين ، أحاط علما بما في القرآن الكريم من وجوه الإعجاز ( وكيف يستطيع الممكن أن يدرك كلام الواجب ) « 1 » . وغاية ما أدركوه أنفسهم أنهم وقفوا على وجوه للإعجاز في القرآن ذكروها في مباحثهم ، وهي قصارى جهدهم ، ومبلغ علمهم . ومن اليقين أنه كلما تقدم الزمن ، وعكف الباحثون على دراسة القرآن ، كلما ظهرت وجوه إعجاز جديدة لم تكن معروفة من قبل . ولعلنا نشير إلى هذا فيما بعد . وقديما ( سئل بندار الفارسي عن موضع الإعجاز في القرآن فقال : هذه مسألة فيها حيف على المفتي ، وذلك أنه شبيه بقولكم : موضع الإنسان من الإنسان ، فليس للإنسان موضع من الإنسان . . . وكذلك القرآن ، لشرفه لا يشار إلى شيء منه إلّا وكان ذلك المعنى آية في نفسه ، ومعجزة لمحاوله ، وأهدى لقائله ، وليس في طاقة البشر الإحاطة بأغراض اللّه في كتابه ، فلذلك حارت العقول ، وتاهت البصائر

--> ( 1 ) الخوئي : البيان ص 25 .