الشيخ السبحاني
31
مفاهيم القرآن
فما أروع هذا التشبيه حيث إنّ الراكب المنبتِّ وإن كان يعدو بفرسه أميالًا عديدة بغية الوصول إلى غايته ، ولكنه بفعله هذا يُنتج عكس المطلوب حيث إنّ المركوب يُعْييه التعبُ ولا يكون بمقدوره الاستمرار في العدو ، ويبقى هو في وسط الطريق لا يهتدي إلى بغيته ، فهو لا سفراً قطع ولا ظهراً أبقى . فهكذا الدعوة إلى الشريعة إذا كانت مقرونة بالشدة والضعف تنتج عكس المطلوب حيث لا تجد لها أُذناً صاغية ، بل يخرج الناس منها أفواجاً . ولأجل ذلك صدع النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بسهولة شريعته ، وقال : « بعثت بالشريعة السهلة السمحة » . « 1 » 10 . دلّت الآيات القرآنية على أنّ التكليف على القدر المستطاع وقد أطبق عليه العقل والنقل ، إذ كيف يمكن تكليف الناس بأعمال ، كإدخال الشيء الكبير في الظرف الصغير ، من دون تغيّر في الظرف والمظروف ؟ أو التحليق في الهواء دون وسيلة ، إلى غير ذلك من الأُمور الممتنعة التي تدخل في نطاق التكليف بما لايُطاق ، حتى أنّ محقّقي العدلية ذهبوا إلى أنّ هذا النوع من التكليف المحال ، بمعنى أنّه لا ينقدح في ذهن الآمر ، الطلب والإرادة الجدية المتعلِّقة ببعث العاجز إلى المطلوب ، ولو تظاهر به فإنّما تظاهر بظاهر التكليف لا بواقعه . فتكون النتيجة : انّ امتناع المكلف به يلازم امتناع نفس التكليف أيضاً ، يقول سبحانه : « لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفساً إِلّا وُسْعها » . « 2 » وقال في آية أُخرى : « لا يُكلّفُ اللَّهُ نَفساً إِلّا ما آتاها » . « 3 » ومضمون كلتا الآيتين واحد ، وهو أنّ اللَّه يكلّف الإنسان بقدر طاقته وقابليته . هذه نماذج استعرضناها لإثبات أنّ التشريع الإسلامي يتمتّع بمرونة ، وأنّه مبنيٌّ على أساس العدل . وفي الحقيقة انّ التشريع الإسلامي من مظاهر عدله في هذا المجال .
--> ( 1 ) سفينة البحار : 1 / 695 . ( 2 ) البقرة : 286 . ( 3 ) الطلاق : 7 .