الشيخ السبحاني

27

مفاهيم القرآن

حاكية عن أنّه سبحانه قائم بأعباء القسط في جميع المجالات تكويناً وتشريعاً ، أمّا التكوين فقد وقفت على نماذج من التعادل الذي هو حجر الأساس لبقاء السماء والأرض واستقرار الحياة على وجه البسيطة . بقي الكلام في مظاهر عدله في عالم التشريع ، ولنذكر نماذج من ذلك : 1 . فرض سبحانه الصيام على كلّ مكلّف ، وقال : « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون » . « 1 » وفي الوقت نفسه استثنى المريض والمسافر ومن يصوم ببذل الجهد الكبير ، قال سبحانه : « فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أوْعَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ وَعَلى الَّذينَ يُطيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِين » . « 2 » فأوجب على المريض والمسافر القيام بأعباء هذا التكليف بعد استعادة صحته أو رجوعه إلى الوطن ، كما أنّه اكتفى فيمن يصوم ببذل جهد كبير كالهرم ، بالتكفير وإطعام مسكين . 2 . لا شكّ انّ في القصاص حياة لأُولي الألباب ، وفي المثل المعروف : « إنّ الدم لا يُغسّله إلّاالدم » ، ومع ذلك كلّه فقد أجاز لوليِّ الدم أن يسلك طريقاً آخر وهو إبدال القصاص بالدية ، فقد شرع ذلك ، وقال : « فَمَنْ عُفيَ لَهُ مِنْ أَخيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بالمَعروفِ وَأَداءٌ إِليهِ بِإِحسانٍ ذلكَ تَخْفيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَليم » « 3 » . فالإصرار على أحد الحكمين ربما يولِّد الحرج ، فخيّر وليَّ الدم بين القصاص وأخذ الدية حتى يتبع ما هو الأفضل والأصلح لتشفِّي القلوب واستقرار الصلح في المجتمع .

--> ( 1 ) البقرة : 183 . ( 2 ) البقرة : 184 . ( 3 ) البقرة : 178 .