الشيخ السبحاني

78

مفاهيم القرآن

فاستشهاد صاحب المنار على كون المراد هو ظلمة القبر والبرزخ بقوله سبحانه : « يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ وَالمُنافِقاتُ لِلَّذينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِس مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالتَمِسُوا نُوراً . . . » « 1 » ليس بأمر صحيح ، والآية ناظرة إلى حياتهم الدنيوية التي يكتنفها الإيمان والنور ، ثمّ تحيط بهم الظلمة والضلالة ، ولا نظر للآية لما بعد الموت . سؤال وإجابة إن‌ّمقتضى البلاغة هو الإتيان بصيغة الجمع حفظاً للتطابق بين المشبّه والمشبّه به ، مع أنّه سبحانه أفرد المشبّه به « كالذي استوقد ناراً » وجمع المشبّه أعني قوله : « مثلهم » « ذهب اللَّه بنورهم » ، فما هو الوجه ؟ أجاب عنه صاحب المنار بقوله : إنّ العرب تستعمل لفظ « الذي » في الجمع كلفظي « ما » و « من » ومنه قوله تعالى : « وَخُضْتُمْ كَالّذِي خَاضُوا » « 2 » وإن شاع في « الذي » الافراد ، لأنّ له جمعاً ، وقد روعي في قوله « استوقد » لفظه ، وفي قوله « ذهب اللَّه بنورهم » معناه . والفصيح فيه مراعاة التلفظ أوّلًا ، ومراعاة المعنى آخراً ، والتفنّن في إرجاع الضمائر ضرب من استعمال البلغاء . « 3 » ولنا مع هذا الكلام وقفة ، وهي أنّ ما ذكره مبني على أنّ قوله سبحانه : « ذَهَبَ اللَّه بنورهِمْ وَتَرَكهم في ظُلماتٍ لا يُبصرون » في تتمة المثل ، وأجزاء المشبه به ، ولكنّك قد عرفت خلافه ، وانّ المثل تم في قوله : « فلمّا أضاءت

--> ( 1 ) الحديد : 13 . ( 2 ) التوبة : 69 . ( 3 ) تفسير المنار : 1 / 169 .