الشيخ السبحاني

457

مفاهيم القرآن

سوف يعطيك ربّك في الآخرة ما يرضيك من الشفاعة والحوض وسائر أنواع الكرامة . وروي أنّ محمد بن علي بن الحنفية ، قال : يا أهل العراق ، تزعمون أن‌ّأرجى آية في كتاب اللَّه عزّوجلّ هو قوله تعالى : « قُلْ يا عِبادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّه » « 1 » وإنّا أهل البيت نقول : أرجى آية في كتاب اللَّه ، هو قوله : « وَلَسَوف‌َيُعطيكَ رَبُّكَ فَتَرضى » وهي واللَّه الشفاعة ، ليعطينّها في أهل لا إله إلّااللَّه حتى يقول : ربّي رضيت . « 2 » وقد ذكر المفسرون في شأن نزول الآية : انّه احتبس الوحي عنه خمسة عشر يوماً ، فقال المشركون : إن‌ّمحمداً قد ودّعه ربّه وقلاه ، ولو كان أمره من اللَّه تعالى لتتابع عليه ، فنزلت هذه السورة . هذا ما يذكره المفسرون ، ولكن الحقّ انّه لم يكن هناك أيُّ احتباس وتأخير في نزول الوحي ، وذلك لأنّه جرت سنّة اللَّه تعالى على نزول الوحي تدريجاً لغايات معنوية واجتماعية ، وقد أشار الذكر الحكيم إلى حكمة نزوله نجوماً في غير واحدة من الآيات ، قال سبحانه : « وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَولا نُزّلَ عَلَيْهِ الْقُرآن جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا » . « 3 » فالآية تعكس فكرة المشركين حول نزول القرآن وكانوا يتصورون أنّ القرآن كالتوراة ، يجب أن ينزل جملة واحدة لا نجوماً وعلى سبيل التدريج ، فأجاب عنه الوحي ، بأنّ في نزوله التدريجي تثبيتاً لفؤاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لتداوم الصلة بين الموحي

--> ( 1 ) الزمر : 53 . ( 2 ) مجمع البيان : 5 / 505 . ( 3 ) الفرقان : 32 .