الشيخ السبحاني

452

مفاهيم القرآن

وَالأَرض وما طَحاها » إذ ينقلب معنى الآيتين أقسم بربّ السماء وربّ ما بناها أيرب‌ّبانيها ، وهكذا الحلف بربّ الأرض وما طحاها ، أيربّ طاحيها . إلى هنا تمّ الحلف بهذه الموجودات السماوية والأرضية والحية وغير الحية . أخبر سبحانه بأنّه بعد ما خلق النفس وسوّاها واكتملت خلقتها ظاهراً وباطناً ، علّمها سبحانه التقوى والفجور ، وفهم من صحيح الذات ما هو الحسن والقبيح ، وقد تعلّم ذلك في منهج الفطرة ، وقد استعمل كلمة « ألهم » لأنّه بمعنى إلقاء الشيء في روع الإنسان من دون أن يعلم الملهم من أين أتى ، والإنسان يعلم من صميم ذاته الحسن والسيّء من دون أن يتعلّم عند أحد . وقد أشار سبحانه إلى هذا النوع من الهداية الباطنية في آيات أُخرى ، وقال : « وَهَدَيْناهُ النَّجْدَين » . « 1 » ولما حلف بالموجودات السماوية والأرضية غير الحيّة والحيّة ، وانّه قد ألهم النفس الإنسانية طرق الصلاح والفلاح ، أو طرق الشر والضلال ، أتى بجواب القسم ، وهو قوله : « قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَقَدْخاب‌َمَنْ دَسّاها » ، فجعل « زكاها » مقابل « دساها » فيعلم معنى الثاني من الأوّل ، فقال : « وَقَدْخاب‌َمَنْ دَسّاها » . والتزكية هو التطهير من الآثام ، مقابل التدسيس ، وهي إخفاء الرذائل والذنوب . انّ قوله : « دسّاها » مشتق من التدسيس ، وهو إخفاء الشيء من الشيء ، والتدسيس مصدر دسّس ، وهو من دسس يدسس تدسيساً ، ومعنى الآية

--> ( 1 ) البلد : 10 .