الشيخ السبحاني
43
مفاهيم القرآن
الفاسِقين » . « 1 » قال الزمخشري : والتمثيل إنّما يصار إليه لكشف المعاني ، وإدناء المتوهّم من الشاهد ، فإن كان المتمثَّل له عظيماً كان المتمثّل به مثله ، وإن كان حقيراً كان المتمثل به كذلك . « 2 » وربما سرت تلك الشبهة إلى عصرنا الحاضر ، فقد استغرب بعضهم من ضرب المثل بالحشرات والأُمور الحقيرة الضئيلة ، ولكنّه غفل عن أنّ العبرة في ضرب الأمثال ليس بأدواتها وآلاتها ، وإنّما بمكنوناتها وغاياتها ، وما يدرينا بسرّ الإعجاز في التركيب الجثماني للبعوضة ، مثلًا ، وما فيه من إبداع وتحد وإعداد ، ولعل فيه من الإنجاز الخلقي ما لا نشاهده بأكثر الأجسام ضخامة وكبراً ، على أن المبدع لها جميعاً هو اللَّه وكفى « واللَّه رب الصغير والكبير وخالق البعوضة والفيل ، والمعجزة في البعوضة هي ذاتها المعجزة في الفيل ، انّها معجزة الحياة ، معجرة السر المغلق الذي لا يعلمه إلا اللَّه على أنّ العبرة في المثل ليست في الحجم ، إنّما الأمثال أدوات للتنوير والتبصير ، وليس في ضرب الأمثال ما يعاب ، وما من شأنه الاستحياء من ذكره . واللَّه - جلت حكمته - يريد بها اختبار القلوب وامتحان النفوس . « 3 » الثاني عشر : التمثيلات القرآنية قد عرفت أنّ المثل السائر غير التمثيل الوارد في القرآن الكريم ، وانّه
--> ( 1 ) البقرة : 26 . ( 2 ) الإتقان في علوم القرآن : 2 / 1042 . ( 3 ) في ظلال القرآن : 1 / 57 .