الشيخ السبحاني
387
مفاهيم القرآن
والمكتوب ، وعلى ذلك حلف سبحانه بجنس القلم وبجنس الكتابة ، أو بجنس المكتوب ، كأنّه قيل : « أحلف بالقلم وسطرهم أو مسطوراتهم » . ثمّ إنّ في الحلف بالقلم والكتابة والمكتوب إلماعاً إلى مكانة القلم والكتابة في الإسلام ، كما أنّ في قوله سبحانه : « علّم بالْقَلم » إشارة إلى ذلك ، والعجب أنّ القرآن الكريم نزل وسط مجتمع ساده التخلّف والجهل والأُميّة ، وكان من يجيد القراءة والكتابة في العصر الجاهلي لا يتجاوز عدد الأصابع ، وقد سرد البلاذري في كتابه « فتوح البلدان » أسماء سبعة عشر رجلًا في مكة ، وأحد عشر من يثرب . « 1 » وهذا ابن خلدون يحكي في مقدمته : أنّ عهد قريش بالكتابة لم يكن بعيداً ، بل كان حديثاً وقريباً بعهد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم . « 2 » ومع ذلك يعود القرآن ليؤكد بالحلف بالقلم على مكانة القلم والكتابة في الحضارة الإسلامية ، وجعل في ظل هذا التعليم أمة متحضرة احتلّت مكانتها بين الحضارات . وليس هذه الآية وحيد نسجها في الدعوة إلى القلم والكتابة بل ثمة آية أُخرى هي أكبر آية في الكتاب العزيز ، يقول سبحانه : « يا أَيُّهَا الَّذينَ آمنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍمُسمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْيَكْتُبَ كَما عَلَّمهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُب . . . » . « 3 » كما أنّالنبي صلى الله عليه وآله وسلم حثّعلى كتابة حديثه الذي هو المصدر الثاني بعد القرآن الكريم : 1 . أخرج أبو داود في سننه ، عن عبد اللَّه بن عمرو ، قال : كنت أكتب كلّ
--> ( 1 ) فتوح البلدان : 457 . ( 2 ) مقدمة ابن خلدون : 418 . ( 3 ) البقرة : 282 .