الشيخ السبحاني

25

مفاهيم القرآن

تؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه ، وذلك لأنّ الغرض في المثل تشبيه الخفي بالجلي ، والغائب بالشاهد ، فيتأكد الوقوف على ماهيته ، ويصير الحس مطابقاً للعقل ، وذلك في نهاية الإيضاح ، ألا ترى أنّ الترغيب إذا وقع في الإيمان مجرداً عن ضرب مثل له لم يتأكد وقوعه في القلب كما يتأكد وقوعه إذا مُثِّل بالنور ، وإذا زهد في الكفر بمجرد الذكر لم يتأكد قبحه في العقول ، كما يتأكد إذا مثل بالظلمة ، وإذا أخبر بضعف أمر من الأُمور وضرب مثله بنسج العنكبوت كان ذلك أبلغ في تقرير صورته من الإخبار بضعفه مجرداً ، ولهذا أكثر اللَّه تعالى في كتابه المبين ، وفي سائر كتبه أمثاله ، قال تعالى : « وَتِلْكَ الأَمْثال نَضْرِبها لِلنّاس » « 1 » . « 2 » 5 . وقال الشيخ عز الدين عبد السلام ( المتوفّى عام 660 ه ) : إنّما ضرب اللَّه الأمثال في القرآن ، تذكيراً ووعظاً ، فما اشتمل منها على تفاوت في ثواب ، أو على إحباط عمل ، أو على مدح أو ذم أو نحوه ، فإنّه يدل على الاحكام . « 3 » 6 . وقال الزركشي ( المتوفّى عام 794 ه ) : وفي ضرب الأمثال من تقرير المقصود مالا يخفى ، إذ الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي ، والشاهد بالغائب ، فالمرغب في الإيمان مثلًا ، إذا مثّل له بالنور تأكّد في قلبه المقصود ، والمزهَّد في الكفر إذا مثل له بالظلمة تأكد قبحه في نفسه وفيه أيضاً تبكيت الخصم ، وقد أكثر اللَّه تعالى في القرآن ، وفي سائر كتبه من الأمثال . « 4 » لكن يرد على ما ذكره الزمخشري والرازي والزركشي أنّ ما ذكروه راجع إلى

--> ( 1 ) العنكبوت : 43 . ( 2 ) مفاتيح الغيب : 2 / 72 - 73 . ( 3 ) الإتقان في علوم القرآن : 2 / 1041 . ( 4 ) البرهان في علوم القرآن : 1 / 488 .