الشيخ السبحاني

203

مفاهيم القرآن

إذا عرفت ذلك ، فاعلم أنّه سبحانه ضرب في المقام أمثالًا أبطل بها ربوبية الأصنام ، بالبيان التالي : أمّا الذباب ، فهو عندهم أضعف الحيوانات وأوهنها ، ومع ذلك فآلهتهم عاجزون عن خلق الذباب ، وإن سلب الذباب منهم شيئاً لا يستطيعون استنقاذه منه . فقد روي أنّ العرب كانوا يطلون الأصنام بالزعفران ورؤوسها بالعسل ويغلقون عليها الأبواب ، فيدخل الذباب من الكوى فيأكله ، يقول سبحانه : « يا أَيُّها الناس ضربَ مثل فاستمعوا له انَّ الذينَ تَدعُون مِنْ دُونِ اللَّه » أييعبدونه والدعاء هنا بمعنى العبادة ، كما في قوله سبحانه : « وَقالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِين » « 1 » ، فدعاؤه سبحانه عين عبادته كما أنّ دعاء الآلهة المزيّفة - بما انّها أرباب عند الداعي - عبادة لها . « لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له » مع صغره وضعفه « وان يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه » كما عرفت من أنّ الذباب ربما يأكل العسل الموجود على رؤوس الأصنام . « ضعف الطالب والمطلوب » وفيها احتمالات : الأوّل : ان‌ّالمراد من الطالب والمطلوب هو العابد والمعبود ، فالإنسان ضعيف كما هو واضح ، وقال سبحانه : « وَخلق الإنْسان ضعيفاً » والمطلوب ، أعني : الأصنام مثله لأنّه جماد لا يقدر على شيء .

--> ( 1 ) غافر : 60 .