الشيخ السبحاني
153
مفاهيم القرآن
وبذلك يعلم أنّ الدعوة على قسمين : دعوة حقة ودعوة باطلة ، فالحقة للَّه ودعوة غيره دعوة باطلة ، أمّا لأنّه لا يسمع ولا يريد ، أو يسمع ولا يقدر . وأشار إلى القسم الباطل بقوله : « وَالّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجيبُونَ لَهُمْ بِشَيءٍ » ، وقد عرفت وجه عدم الاستجابة . ثمّإنّه سبحانه استثنى صورة واحدة من عدم الاستجابة ، لكنّه استثناء صوري وهو في الحقيقة تأكيد لعدم الاستجابة ، وقال : « إِلّاكَباسِط كَفَيّه إِلى الماء لِيَبْلُغَفاه وَما هُوَ بِبالِغِهِ » . فدعوة الأصنام والأوثان وطلب الحاجة منهم ، أشبه بحال الظمآن البعيد من الماء كالجالس على حافة البئر والباسط كفه داخل البئر ليبلغ الماء فاه ، مع البون البعيد بينه وبين الماء . قال الطبرسي : هذا مثل ضربه اللَّه لكلّمن عبد غير اللَّه ودعاه رجاء أن ينفعه ، فانّ مثله كمثل رجل بسط كفيه إلى الماء من مكان بعيد ليتناوله ويسكن به غلته ، وذلك الماء لا يبلغ فاه لبعد المسافة بينهما ، فكذلك ما كان يعبده المشركون من الأصنام لا يصل نفعها إليهم ولا يستجيب دعاءهم . « 1 » وربما تفسر الآية بوجه آخر ، ويقال : لا يستجيبون إلّا استجابة الماء لمن بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته إليه ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه ، وكذلك ما يدعونه جماد لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم ولا يقدر على نفعهم . « 2 » والظاهر رجحان الوجه الأوّل ، لأنّ الآلهة بين جماد لا يشعر أو ملك أو جن
--> ( 1 ) مجمع البيان : 3 / 284 . ( 2 ) الكشاف : 2 / 162 .