الشيخ السبحاني

114

مفاهيم القرآن

وإلى هذين الوجهين أشار المحقّق الطوسي بقوله : والإحباط باطل ، لاستلزامه الظلم ولقوله تعالى : « فَمَنْ يَعْمَل مِثْقال‌َذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه » . « 1 » ثمّ إنّ العبد بما انّه لا يملك شيئاً إلّابما أغناه اللَّه وأعطاه ، فهو ينفق من مال اللَّه سبحانه ، لأنّه وما في يده ملك لمولاه فهو عبد لا يملك شيئاً إلّابتمليكه سبحانه ، فمقتضى تلك القاعدة أن ينفق للَّه وفي سبيل اللَّه ولا يتبع عمله بالمن والأذى . وبعبارة أُخرى : ان‌ّحقيقة العبودية هي عبارة عن حركات العبد وسكناته للَّه سبحانه ، ومعه كيف يسوغ له اتّباع عمله بالمن والأذى . ولذلك يقول سبحانه : « يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالمَنّ وَالأَذى » . ثم‌ّإنّه سبحانه شبّه أصحاب المن والأذى بالمرائي الذي لا يبتغي بعمله مرضاة اللَّه تعالى ، ولا يقصد به وجه اللَّه غير انّ المان‌ّوالمؤذي يقصد بعمله مرضاة اللَّه ثمّ يتبعهما بما يبطله بالمعنى الذي عرفت ، والمرائي لا يقصد بأعماله وجه اللَّه سبحانه فيقع عمله باطلًا من رأس ، ولذلك صحّ تشبيههما بالمرائي مثل تشبيه الضعيف بالقوي . وأمّا حقيقة التمثيل فتوضيحها بالبيان التالي : نفترض أرضاً صفواناً أملس عليها تراب ضئيل يخيل لأوّل وهلة انّها أرض نافعة صالحة للنبات ، فأصابها مطر غزير جرف التراب عنها فتركها صلداً صلباً

--> ( 1 ) المصدر نفسه .