الشيخ السبحاني

105

مفاهيم القرآن

وعلى ضوء هذا فالمثل بمعنى الوصف - وقد تقدم منّا القول - بأنّ من معاني المثل هو الوصف . فقوله : « وَلَما يَأْتِكُم مثل الذين خلوا من قبلكم مسّتهم البأساء والضراء » ، أي « لما يأتكم وصف الذين خلوا من قبلكم » فلا يدخلون حظيرة الإيمان الكامل إلّاأن يكون لهم وصف مثل وصف الذين واجهوا المصائب والفتن بصبر وثبات وعانوا الكثير من القلق والاضطراب ، كما قال تعالى في حقّ المؤمنين : « وَزلزلوا زِلزالًا شَديداً » ففي خضم هذه الفتنة التي تنفد فيها طاقات البشر ، فإذا بالرحمة تنزل عليهم من خلال دعاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وصالح المؤمنين . كما قال سبحانه : « وَزلزلوا حتى يقول الرسول والّذين آمنوا معه متى نصر اللَّه » والجملة ليست إلّاطلب دعاء للنصر الذي وعد اللَّه به رسله والمؤمنين بهم واستدعاءً له ، كما قال تعالى : « وَلَقدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُون » « 1 » ، وقال تعالى : « كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلي » . « 2 » يقول الزمخشري : ومعناه طلب الصبر وتمنّيه واستطالة زمان الشدة ، وفي هذه الغاية دليل على تناهي الأمر في الشدة ، وتماديه في العظم . . . فإذا لم يبق للرسل صبر حتى ضجّوا ، كان ذلك الغاية في الشدة التي لا مطمح ورائها . وعند ذلك يخاطبون بقوله سبحانه : « ألا إنّ نصر اللَّه قريب » أي يقال لهم ذلك إجابة لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر . « 3 » ثمّ إنّ القراءة المعروفة هي الرفع في قوله : « حَتى يَقول الرسول » ، وعند ذلك تكون الجملة لحكاية حال الأُمم الماضية . وقرئ بنصب « يقول » وعلى هذا

--> ( 1 ) الصافات : 171 - 172 . ( 2 ) المجادلة : 21 . ( 3 ) الكشاف : 1 / 270 في تفسير الآية .