الشيخ السبحاني

95

مفاهيم القرآن

توضيح النظريتين : انّ الإشراقيين قالوا بوجود بدن مثالي للإنسان في عالم المثال ، كما أن‌ّله بدناً طبيعياً مادياً في هذه النشأة ، والنفس بعد مفارقتها البدن الدنيوي تتعلّق ببدن مثالي مستقل نشأ من ذي قبل . ثمّ إنّ الدافع من وراء طرح هذه النظرية تصوّر أنّ تعلّق النفس بالبدن الدنيوي يعد تناسخاً وهو أمر باطل لا محالة ، مضافاً إلى أن‌ّالنفس إنّما تلتذ أو تتألم بالصور الحسية ، والنفس في إدراكها للصور الحسية بحاجة إلى بدن ، فمسّت الحاجة إلى تصوير بدن للنفس حتى يتحقق به إدراك الصور الحسية جميلها وقبيحها ، لذيذها ومؤلمها . إلّا أنّ هذه النظرية لا تصمد أمام النقاش . أمّا أوّلًا : إذا كان البدن المثالي مغايراً للبدن الدنيوي ومخلوقاً من ذي قبل ، فكيف ينطبق على هذا النوع من الحشر ، قوله سبحانه : « قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ » ؟ « 1 » وثانياً : أنّ البدن المثالي المخلوق من ذي قبل له استعداد لتعلّق النفس به ، حينها يتهيأ لقبول الفيض الإلهي ، من قبل اللَّه سبحانه ، فتتعلّق النفس بالبدن في ظرفها ، فلو تعلّقت به نفس أُخرى بعد الموت يلزم اجتماع نفسين في بدن واحد ، وهو عين التناسخ . ولما أثارت هذه النظرية إشكالًا واضحاً عدل عنها صدر المتألّهين وذهب إلى الوحدة بين البدنين المادي والمثالي ، وأنّ التفاوت بينهما بالكمال والنقص وانّ البدن المثالي هو عين البدن المادي لكن بنحو أكمل ، وبذلك استطاع التخلّص من الإشكال الأوّل من لزوم كون المعاد في الآخرة هو البدن الدنيوي . كما أنّه تخلّص من الإشكال الثاني بأنّ البدن المثالي لم يخلق من ذي قبل بل

--> ( 1 ) . يس : 79 .