الشيخ السبحاني
78
مفاهيم القرآن
أ . ما هي واقعية الإنسان اختلفت الأنظار في واقع الإنسان وحقيقته ، فأهل الحديث يرون أنّ واقع الإنسان هو الهيكل الظاهري بما أنّله حساً وحركة وإدراكاً ، وانّه ليس له وراء ذلك واقعية أُخرى باسم الروح والنفس ، فهؤلاء حطُّوا من المكانة الرفيعة للإنسان وجعلوه في عداد الحيوانات ، غير أنّ له صفات خاصة في مجال الحس والإدراك . فهؤلاء يصحّ لهم وصف المعاد جسمانياً لا بمعنى عود الإنسان جماداً ، بل عوده إلى ما كان عليه في الدنيا من الهيكل الإنساني المساوق للحس والحركة . فهذه الثُّلّة ليس لها وصف المعاد بالروحانية وراء الجسمانية ، بل المعاد عندها جسماني محض . بالمعنى الذي عرفت . وفي مقابلهم أهل الفكر والتدبّر من المحقّقين الذين ذهبوا إلى أنّ للإنسان وراء ذلك الهيكل الظاهري المساوق للحس والحركة ، واقعية أُخرى أطلق عليها « النفس المجرّدة » ، وهي مجردة لها ارتباط وثيق بالمادة أيالبدن من خلال تدبيره وإدارة شؤونه . وعند ذاك فلو كان المحشور هو الروح المتعلقة بالبدن فقط ، يكون المعاد روحانياً محضاً ، ولو قلنا بعود الروح والجسم معاً فيصحّ وصف المعاد بالجسمانية والروحانية . أمّا كونه جسمانياً فلعود الهيكل الإنساني - المرافق للحس والحركة - إلى المحشر . وأمّا كونه روحانياً ، فلعود الروح إلى البدن من جديد . فتلخّص ممّا سبق أنّ من لم يذعن بوجود النفس المجردة يكون المعاد عنده جسمانياً محضاً ، وأمّا المذعن بها فالمعاد عنده يمكن أن يكون روحانياً محضاً ، أو روحانياً وجسمانياً . إلى هنا تمّ الملاك الأوّل .