الشيخ السبحاني
24
مفاهيم القرآن
يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الغَرُور » . « 1 » والإمعان في تلك الآيات يورث الإعجاب ، فهو يذكر بعث النفوس أوّلًا ، ثمّ يردفه في آية أُخرى بأنّه سبحانه هو الحقّ . ثمّ يطرح في آية أُخرى مسألة الجزاء وانّه لا يجزي والد عن ولده ، ويصف وعد اللَّه بالحقّ ، ففي كلا المقامين جاء المدّعى مرفقاً بالدليل ، فوصفه بالحقّ كوصف وعده به آية صحّة المدعى وانّه لا مناص من إحياء الموتى وإلّا لعاد الحقّ المطلق حقّاً نسبياً . وهذا النوع من الكلام من إنسان أُمّي لا يجيد القراءة والكتابة دليل على أنّ كتابه ليس وليد فكره ونتاج عقله ، بل هو وحي إلهي نزل به الروح الأمين على قلبه ليكون من المنذرين . ثمّ إنّ الذكر الحكيم يحثّ المؤمنين على التفكير في خلق السماوات والأرض واختلاف اللّيل والنَّهار وغيرها من الأنظمة السائدة في الكون حتّى يعلموا أنّ فعله سبحانه لم يكن باطلًا ولا عبثاً . قال سبحانه : « إِنّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأَرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لآياتٍ لأُولي الأَلباب * الَّذينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّار » . « 2 » وقد نقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : « الدنيا مزرعة الآخرة » . وكأنّ الإنسان يزرع في هذه الحياة الدنيا ويحصد ما زرعه في الآخرة ، وهو يشير إلى وجود الغاية لخلق الإنسان والعالم .
--> ( 1 ) . لقمان : 33 . ( 2 ) . آل عمران : 190 - 191 .