الشيخ السبحاني

118

مفاهيم القرآن

الجرائم ، كما هو الحال في قوله : « وَيَشْهَد عَذابَهُما طائِفةٌ مِنَ المُؤْمِنينَ » . « 1 » فإذا كانت الغايات الثلاث ممّا تتحقق في الحياة الدنيا ، فيكون التعذيب في الآخرة أمراً عبثاً لا غاية له . ثمّ إنّ المستشكل عطف الثواب الأُخروي على العذاب الدنيوي فزعم انّه أيضاً بلا غاية ، وقال : وأمّا الالتذاذ فهو أيضاً باطل ، لأنّ اللذة الجسمانية لا حقيقة لها ، وإنّما هو دفع الألم بالاستقراء وانّه لو ترك على حاله ولم يعد لم يكن له ألم فهذا الغرض حاصل بدون الإعادة فلا فائدة فيها . « 2 » والجواب : انّ المستشكل زعم أنّ المعاد أمر ممكن فسأل عن غايته وأغراضه ، فإذا انتفى الغرض فيه حكم ببطلانه ، وهذا أمر بعيد عن الصواب ، فالمعاد أمر ضروري حسب الأدلة الستة ، وفيه العلّة الفاعلية والغائية ، ومعها كيف يكون أمراً عبثاً ؟ ! وكفى في العلّة الغائية انّها مظهر لعدله سبحانه ، ومجلى لقسطه على وجه يكون تركه أمراً قبيحاً ، بل هو مجلى لوعده ووعيده . وأمّا ما ذكره أخيراً من عدم أصالة اللذة الجسمانية ، وإنّما هو دافع للألم كالأكل الذي هو دافع لألم الجوع ، فلا أساس له من الصحة ، فهل يتصور انّ الالتذاذ من خلال النظر إلى المناظر الجميلة والحدائق المكتظة بالأشجار أمر لا حقيقة له ، بل هو رافع للألم فحسب ؟ ! وثمّة جواب آخر وهو : انّ ما ذكره من الإشكال إنّما يتم في الجزاء الجعلي ، فيسأل عن حكمتها وغاياتها بأحد الوجوه ، وأمّا إذا كان الجزاء خارجاً عن هذا الإطار وكان من لوازم وجود الملكات التي اكتسبها الإنسان طيلة حياته على نحو

--> ( 1 ) . النور : 2 . ( 2 ) . شرح المواقف : 8 / 296 ؛ شرح المقاصد : 2 / 214 ، ط الآستانة .