الشيخ السبحاني

104

مفاهيم القرآن

عقولهم عن فهم الكمالات الحقيقية واللذات العقلية وتقتصر على ما ألفوه من اللذات والآلام الحسية وعرفوه من الكمالات والنقصانات البدنية ، فوجب أن تخاطبهم الأنبياء بما هو مثال للمعاد الحقيقي ترغيباً وترهيباً للعوام وتتميماً لأمر النظام ، وهذا ما قاله أبو نصر الفارابي إنّ الكلام مثل . قلنا : إنّما يجب التأويل عند تعذر الظاهر ، ولا تعذر هاهنا سيما على القول بكون البدن المعاد مثل الأوّل لا عينه . وما ذكرتم من حمل كلام الأنبياء ونصوص الكتاب على الإشارة إلى مثال معاد النفس والرعاية للمصلحة العامة ، نسبة للأنبياء إلى الكذب فيما يتعلّق بالتبليغ والقصد إلى تضليل أكثر الخلائق والتعصب طول العمر لترويج الباطل وإخفاء الحقّ لأنّهم لا يفهمون إلّاهذه الظواهر التي لا حقيقة لها عندكم . نعم لو قيل : إنّ هذه الظواهر مع إرادتها من الكلام وثبوتها في نفس الأمر ، مثل للمعاد الروحاني واللذات والآلام العقلية ، وكذا أكثر ظواهر القرآن على ما يذكره المحقّقون من علماء الإسلام ، لكان حقاً لا ريب فيه ولا اعتداد بمن ينفيه . « 1 » إنّ ما ذكره سعد الدين التفتازاني كلام حقّ لا سترة عليه ، وهو الموافق للقرآن الكريم . ونضيف إلى كلامه أمرين : الأوّل : انّ القرآن يطرح إمكان المعاد من خلال بيان قصص تتضمن عود الموتى إلى الحياة ، كقصة إبراهيم ، وعزير ، وأُمّة من بني إسرائيل ، وقصة البقرة ، وغيرها ، فلا يمكن أن تفسر تلك البراهين بالمثَل .

--> ( 1 ) . شرح المقاصد : 2 / 212 - 213 ، ط الآستانة .