الشيخ السبحاني
95
مفاهيم القرآن
الخليل عليه السلام ذبح ولده إسماعيل ، وقدينزل عليه ملك من جانب اللَّه تعالى معه كلامه سبحانه وهو الذي يسمّى بالروح الأمين . وإلى الطرق الثلاثة : « سوى الرؤيا » أشير بقوله سبحانه : « وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ انْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ الَّا وَحْياً اوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ » وإلى نزول الملك بقوله : « اوْ يُرْسِلَ رَسُولًا » وأمّا الرؤيا الصادقة فيكفي في ذلك قوله سبحانه حاكياً عن الخليل عليه السلام : « يَا بُنَىَّ إِنِّى ارَى فِى المَنَامِ أَنِّى اذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَا ذَا تَرَى قَالَ يَا ابَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِى إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ » ( الصافّات / 102 ) . فلو لم تكن رؤيا الخليل إدراكاً قطعيّاً واتّضح بها وجه الحقيقة كفلق الصبح لما أخبر ولده بها ولما أجابه الولد بالامتثال طائعاً . نعم أشير إلى الملك الحامل لكلام اللَّه سبحانه بقوله : « نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الامِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذَرِينَ » ( الشعراء / 193 و 194 ) . إنّ هناك من يحاول أن يفسّر الوحي بالأصول المادّية والطرق الحسّية ولهم في ذلك آراء ونظريات يشبه كثيرها بكلام بعض المشركين في تقييم الوحي والقرآن الكريم ، وإليك بيان هذه النظريات واحدة تلو الأخرى . 1 - الوحي وليد النبوغ : ويقولون : يتميّز بين أفراد الإنسان المتحضّر أشخاص يملكون فطرة سليمة ، وعقولًا مشرقة تهديهم إلى ما فيه صلاح المجتمع وسعادة الإنسان ، فيضعون قوانين فيها مصلحة المجتمع وعمارة الدنيا ، والإنسان المتصدّي لهذه الوظيفة هو النبي ، والفكر المترشّح من مكامن عقله وومضات نبوغه هو الوحي ، والقوانين التي يسنّها لصلاح المجتمع هي الدين ، والروح الأمين ( جبرئيل ) هو نفسه الطاهرة التي تفيض هذه السنن والقوانين إلى مراكز إدراكه ، والكتاب السماوي هو كتابه الذي يتضمّن تلك السنن والقوانين ، والملائكة التي تؤيّده في حلّه وترحاله هي القوى الطبيعية ،