الشيخ السبحاني

82

مفاهيم القرآن

سبحانه : « قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا ادْرأكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيْكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ افَلَا تَعَقِلُونَ » ( يونس / 16 ) . ومعنى الآية إنّكم أيّها العرب تحيطون بتاريخ حياتي ، فقد لبثت فيكم عمراً يناهز الأربعين فهل رأيتموني أقرأ كتاباً أو أخطّ صحيفة ، فكيف ترمونني بالإفك الشائن بأنّه أساطير الأوّلين التي اكتتبتها وافتريتها على اللَّه وأعانني على ذلك قوم آخرون ؟ فإذا كنتم واقفين على سيرتي وحياتي في الفترة الماضية فاعلموا أنّه منزّل من اللَّه سبحانه كما أمر اللَّه نبيّه أن يجبهم بقوله : « قُلْ أنْزَلَهُ الّذى يَعْلَمُ ا لسِّرَّ فِى السَّمواتِ والأَرْضِ ا نّه كَانَ غَفُوراً رَحيِماً » ( الفرقان / 6 ) نعم ربّما يقال بأنّ قوله : « مَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ » لا يدل على أنّ النبي كان أُمّياً بل فيها أنّه لم يكن يكتب الكتاب ، وقد لا يكتب الكتاب من يحسنه كما لا يكتب من لا يحسنه « 1 » . يلاحظ عليه : إنّ التعليل الوارد في الآية إنّما يصحّ وقوعه علّة لصدر الآية إذا كان النبي غير مستطيع لأن يقرأ ويكتب لا أن يكون عالماً بهما وإن لم يمارسهما ، وذلك لأنّ التعليل بصدد إزالة الشك والريب في أنّه كتاب سماوي وليس من صنع النبي ولا يمت إليه بصلة وذلك إنّما يتحقّق إذا كان النبي أُمّياً محضاً غير قادر عليهما لا ما إذا كان عارفاً بهما ولكن تركهما لمصلحة أو لعلّة أُخرى . * * *

--> ( 1 ) . التبيان في تفسير القرآن ج 8 ص 216 ، طبع بيروت . ويظهر من الآلوسي في تفسيره أنّه اعتمد على هذا .