الشيخ السبحاني

71

مفاهيم القرآن

الكلمتين في الكتابة ، والتلفّظ ، والسماع ، حصل التردّد في المبشّر به ، ومفسّروا إنجيل يوحنّا يصرّون على الأوّل ، وادعوا أنّ المراد منه هو روح القدس وانّه نزل على الحواريين في اليوم الخمسين بعد فقد المسيح كما ذكر في كتاب « أعمال الرسل » « 1 » . وإليك نصّه : « لمّا حضر يوم الخمسين ( بعد عروج المسيح أو صلبه على زعمهم ) كان الجميع معها بنفس واحدة ، وصار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة ملأ كل البيت ، حيث كانوا جالسين وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنّها من نار ، واستقرّت على كل واحد منهم ، وامتلأ الجميع من روح القدس وابتدؤا يتكلّمون بالسنة أخرى ، كما أعطاهم الروح أن ينطقوا » . ولكن القرائن المفيدة للقطع واليقين تفيد إنّ المراد منه هو الأوّل ، وإنّ المسيح بصدد التبشير عن ظهور نبي في مستقبل الأيّام وإليك بيان هذه القرائن : 1 - إنّ المسيح قال : « إن كنتم تحبّوني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليط آخر » . إنّ هذا الخطاب يناسب أن يكون المبشّر به نبيّاً من الأنبياء ، إذ لو كان « فارقليط » عبارة عن الروح النازل يوم الدار لما كان هناك حاجة إلى هذا التأكيد ، لأنّ تأثيره في القلوب تأثير تكويني - كما عرفت من النّص - لا يمكن لأحد التخلّف عنه ولا يبقى في القلوب معه شك ، وهذا بخلاف تأثير النبي فإنّه يؤثّر ببيانه وكلامه في القلوب ، وهو يختلف حسب اختلاف طبائع المخالفين واستعدادهم ، ولأجل ذلك أُصرّ على الإيمان به في بعض جمله وهو : « والآن قد قلت لكم قبل أن يكون حتى إذا كان تؤمنون به » . وقد عرفت ممّا نقلناه من كتاب أعمال الرسل إنّ تأثير روح القدس كان تأثيراً تكوينيّاً غير خاضع لإرادة الإنسان .

--> ( 1 ) . أعمال الرسل ، الإصحاح الثاني : الجمل 1 - 4 .