الشيخ السبحاني
32
مفاهيم القرآن
قَالُوا حَسبُنَا مَا وجَدنَا عَلَيهِ آباءَنَا أوَلَوْ كانَ ا باؤُهُمْ لَا يَعْلَمونَ شَيئاً ولَايَهْتَدونَ » ( المائدة / 4 ) . ثمّ إنّ هذه الأحكام وإن كانت لغاية تسريحها وإظهار العطف عليها لكنّها كانت تؤدّي بالمآل إلى موتها وهلاكها عن جوع وعطش ، لأنّ تسريحها في البوادي والصحاري من دون حماية راع ولا رائد كان ينقلب إلى هلاكها . ب - إنّ القرآن الكريم يحكي عن العرب المعاصرين لنزول الوحي خرافة أُخرى في مجال الأطعمة إذ قال سبحانه : « وَجَعَلُوا للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحَرْثِ وَالانْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَايَصِلُ الَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ الَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ » ( الأنعام / 136 ) . والآية تحكي من أنّ المشركين كانوا يخرجون من الزرع والمواشي نصيباً للَّه ونصيباً للأوثان ، فما كان للأصنام لا يصل إلى اللَّه ، وما كان للَّه فهو يصل إلى الأصنام . وقد اختلف المفسّرون في كيفيّة هذا التقسيم الجائر فنذكر تفسيراً واحداً . قالوا : إنّهم كانوا يزرعون للَّه زرعاً ، وللأصنام زرعاً ، وكان إذا زكى الزرع الذي زرعوه للَّه ، ولم يزك الزرع الذي زرعوه للأصنام ، جعلوا بعضه للأصنام وصرفوه إليها ، ويقولون : إنّ اللَّه غني ، والأصنام أحوج ، وإن زكى الزرع الذي جعلوه للأصنام ، ولم يزك الزرع الذي زرعوه للَّه ، لم يجعلوا منه شيئاً للَّه ، وقالوا : هو غنيّ ، وكانوا يقسّمون النعم فيجعلون بعضه للَّه ، وبعضه للأصنام ، فما كان للَّه أطعموه الضيفان ، وما كان للصنم أنفقوه على الصنم « 1 » . ج - ومن تقاليدهم : إنّه إذا ولدت الأنعام حيّاً يجعلونه للذكور ويحرمون النساء منه ، وإذا ما ولد ميّتاً أشركوا النساء والرجال ، وإليه يشير قوله سبحانه :
--> ( 1 ) . مجمع البيان ج 2 ص 370 .