الشيخ السبحاني

26

مفاهيم القرآن

« وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكرُونَ » ( القصص / 46 ) . يقول تعالى : « امْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا آتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْقَبْلِكَلَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ » ( السجدة / 3 ) . وقال سبحانه : « لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ » ( يس / 6 ) . وهذه الآيات تعرب من أنّ امّ القرى وما حولها لم يبعث فيها أيبشير أو نذير ، والآيات تعني هذه المناطق والقاطنين فيها ، ولا تعني العرب البائدة التي بعث فيها أنبياء عظام كهود وصالح وشعيب ، ولاعامّة المناطق في الجزيرة العربيّة ولاعامّة القبائل من القحطانيين والعدنايين ، وقدكان فيهم بشير ونذير كخالدبن سنان العبسي وحنظلة على ما في بعض الروايات والأخبار . ومن المعلوم أنّ الامّة البعيدة عن تعاليم السماء خصوصاً في العصور البعيدة التي كانت المواصلات فيها ضعيفة بين الأمم ، وكانت عقلية البشر في غالب المناطق قاصرة عن تنظيم برنامج ناجح للحياة الإنسانية ، فحياتهم لاتتعدّى عن حياة الحيوانات بل الوحوش في الغابات ، ولا يكون لهم من الإنسانية شيء إلّا صورتها ، ولا من الحضارة إلّا رسمها . وهذا هو القرآن يصفهم بأنّهم كانوا على شفا حفرة من النار ، ولم يكن بين سقوطهم واقتحافهم فيها إلّا خطوات ودقائق بل لحظات لولا أنّ النبيّ الأكرم أنقذهم من النار ، قال تعالى : « وَاعتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَميعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نعمَةَ اللَّهِ علَيْكُم اذْ كُنْتُمْ اعداءً فَالَّفَ بيْنَ قُلُوبِكُمْ فَاصْبَحْتُمْ بِنِعْمتهِ إِخْوانَاً وَكُنتُمْ علَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَانْقَذكُمْ مِنْهَا » ( آل عمران / 103 ) .