الشيخ السبحاني
15
مفاهيم القرآن
الغير ، فإذا كان اللَّه سبحانه مع أنبيائه شهوداً فيجب أن يكون هناك مشهوداً عليهم وهو أممهم . فظهر أنّ الآية تهدف إلى أخذ العهد والإصر من الأنبياء ، وأممهم على الإيمان والنصرة . فإذا راجعنا ا لقرآن الكريم نرى أنّ ا لمسيح قام بمسؤوليته الكبيرة حيث بشّر بالنبيّ وقال - كما حكى عنه سبحانه : « واذْ قَالَ عيْسَى ابْنُ مَريمَ يَا بَني إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ اليْكُم مُصَدِّقاً لما بَيْنَ يَدَيَّ منَ التَّورَاةِ ومبشِّراً برسُولٍ يَأتِي مِنْ بَعْدي اسْمُهُ أحْمدُ فلَمَّا جَاءَهُم بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحرٌ مُبينٌ » ( الصف / 6 ) . وليس المسيح نسيج وحده في هذا المجال بل الأنبياء ا لسابقون قاموا بنفس هذه الوظيفة ، يقول سبحانه : « الَّذينَ ا تَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كمَا يَعْرِفُونَ أَبنَاءَهُمْ وإِنَّ فرِيقاً مِنْهُمْ ليَكْتُمُونَ الحَقَّ وهُمْ يَعلَمُونَ » ( البقرة / 146 ) . والضمير في « يعرفونه » يرجع إلى النبيّ الأكرم وهو المفهوم من سياق الآية بشهادة تشبيه عرفانهم إيّاه بعرفان أبنائهم . وما زعمه بعض المفسّرين من أنّ الضمير راجع إلى الكتاب الوارد في الآية لا يناسب هذا التشبيه ، والآية بصدد بيان أنّهم يعرفون النبيّ بما في كتبهم من البشارة به ، ومن نعوته وأوصافه وصفاته التي لا تنطبق على غيره ، وبما ظهر من آياته وآثار هدايته ، كما يعرفون أبناءهم الذين يتولّون تربيتهم وحياطتهم حتّى لا يفوتهم من أمرهم شيء ، قال عبد اللَّه بن سلام - وكان من علماء اليهود وأحبارهم - : أنا أعلم به منّي با بني « 1 » . فالمراد من أهل الكتاب هم اليهود والنصارى ، وكانت الأغلبية في المدينة اليهود ، والآية تعرب من أنّ الكليم قام بنفس ما قام به المسيح من التعريف بالنبيّ الخاتم حتّى عرّفهم ا لنبىّ الخاتم بعلائم واضحة عرفته به امّتهُ عرفانَها بأبنائها .
--> ( 1 ) . المنار ج 2 ص 20 .