الشيخ السبحاني

12

مفاهيم القرآن

إنّ وحدة الشرائع جوهراً ، واختلافها شكلًا وعَرْضا ، لا تعني ما يلوكه بعض الملاحدة من جواز التديّن بكلّ شريعة نازلة من اللَّه سبحانه إلى امّة من الأمم في العصور السابقة حتى أنّه يسوغ التديّن بشريعة إبراهيم في زمن بعثة الكليم ، أو التمسّك بشريعة اليهود في عهد المسيح ، أو التديّن بالشرائع السابقة في عهد بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم ، بل المفروض على كلّ امّة أن تتمسّك بالشريعة التي جاء بها نبيّها ، فلا يجوز لليهود سوى تطبيق التوراة ، ولاللنصارى سوى العمل بما جاء به المسيح ، ولاللُامّة المتأخّرة عنهما إلّا العمل بالقرآن والسنّة النبويّة ، وذلك لأنّ للشكل والعَرْض سهماً وافراً في إسعاد الامّة ورقيّها ، فلكلّ امّة قابليات ومواهب فلا تسعدها إلّا الشريعة التي تناسبها وتتجاوب معها . فربّ امّة متحضّرة تناسبها سنن وأنظمة خاصّة لاتناسب امّة أخرى لم تبلغ شأنها في التكامل والتحضّر . وهذا هو السبب في إختلاف الشرائع السماويّة في برامجها العباديّة والإجتماعيّة والسياسيّة والإقتصاديّة ، فكانت كلّ شريعة كاملة بالنسبة إلى الأمّة التي نزلت لهدايتها وإسعادها ، ولكنّها لاتتجاوب مع حاجات الأمم المتأخّرة ولا تكفي لإحياء قابلياتها وترشيد مواهبها ، فكأنَّ الأمم التي خُصّت بالشرائع الالهيّة تلاميذ صفوف مدرسة واحدة ، وكلّ شريعة برنامج لصفّ خاصّ ، فمازالت البشريّة ترتقي من صفّ إلى صفّ ، وتتلقّى شريعة بعد شريعة ، حتّى تنتهي إلى الصفّ النهائي والشريعة الأخيرة التي لاشريعة بعدها ، وقدأوضحنا حقيقة ذلك الأمر عند البحث عن الخاتمية « 1 » . أخذ الميثاق من النبيين على الإيمان به ونصره إنّ وحدة الشرائع في الجوهر والحقيقة أدَّت إلى أخذ الميثاق من النبيين بأنّه سبحانه مهما آتاهم الكتاب والحكمة ، وجاءهم رسول مصدّق لما معهم ، يجب

--> ( 1 ) . لاحظ مفاهيم القرآن ج 3 ص 119 - 123 .