الشيخ السبحاني

90

مفاهيم القرآن

إنّما الكلام في اثبات الحدوث الزماني لمجموع العالم إذا أخذ صفقة واحدة ولوحظ شيئاً واحداً ، فإنّ اثبات الحدوث الزماني أمر لا يخلو من خفاء وذلك ببيانين : 1 - إنّ الزمان مقدار الحركة ، وكلّ حركه تعانق زمانا ما يعدّ مقداراً لها ، وليس في العالم زمان واحد يتولّد من حركة الفلك أو الشمس والقمر بل كلّ حركة مولد زماناً فيكون ذلك الزمان مقداراً لها كما حقّق في محلّه ، فإذا كان الزمان وليد الحركة ونتيجة سيلان المادّة إلى الغاية فكيف يمكن أن نقول بأنّه كان وقت حقيقي لميكن العالم فيه ثمّ حدث ووجد ؟ لأنّ المفروض انّ هذا الوقت نتيجة حركة المادة التي لم تخلق بعد ، فلايتصوّر شيء بمعنى الوقت والزمان قبل إيجاد العالم حتّى يتضمّن عدمه . 2 - إنّه ينقل الكلام إلى نفس الزمان فهل هو حادث ذاتي وقديم زماناً أو لا ؟ فعلى الأوّل يجب الاعتراف بممكن حادث ذاتاً وقديم زماناً ، فلو كان القول بالقدم الزماني مقبولًا فيه فليكن مقبولًا في مجموع العالم إذا لوحظ شيئاً واحداً أو في الجزء الأوّل منه . وعلى الثاني يلزم أن يكون للزمان زمان حتّى يتضمّن الزمان الثاني عدم الزمان الأوّل في حاقّه ، وعندئذ إمّا يتوقّف تسلسل الزمان فيلزم كون الزمان الثاني قديماً زمانيّاً وإن لم يتوّقف يلزم التسلسل . فلأجل هذين الوجهين يعسر التصديق بالحدوث الزماني لمجموع العالم ويكتفى بالحدوث الذاتي ، ثم إنّ الداعي إلى ذهابهم إلى الحدوث الزماني للعالم كلّه أمران : أ : التركيز على التوحيد ، وإنّه لاقديم سواه وإنّ كلّ ما في الكون فهو حادث زماني مسبوق بعدم زماني حقيقي ، فحصر القديم في اللَّه سبحانه يصدّهم عن الاعتراف بقدم العالم زماناً والاكتفاء بالحدوث الذاتي .