الشيخ السبحاني
84
مفاهيم القرآن
وهذه الأحاديث تعرب من انّ جعل الإرادة صفة الفعل إنّما هولأجل صيانة ذهن الراوي عن توهّم قدم العالم وانّه لم يزل كان مع اللَّه سبحانه ، وإن شئت قلت : إنّ الإرادة التي سأل عنها الراوي كان يراد منها العزم على الفعل الذي لا ينفك عن المراد ، فأراد الإمام هدايته إلى أنّ الإرادة بهذا المعنى لا يوصف بها سبحانه لأنها تستلزم قدم المراد أو حدوث المريد ، ولأجل أن يتلقّى الراوي معنى صحيحاً للإرادة يناسب مستوى تفكيره ، فسّرها الامام بالمعنى الذي يجري عليه سبحانه في مقام الفعل ، وقال في جواب سؤال السائل : « لم يزل اللَّه مريداً ؟ : إنّ المريد لا يكون إلّا المراد معه ، لم يزل اللَّه عالماً قادراً ثمّ أراد » « 1 » . عصر الإمام الكاظم ( عليه السلام ) والمذاهب الكلاميّة كان عصر الإمام الكاظم ( سلام اللَّه عليه ) ( ت 128 - م 183 ) عصر ازدهار المذاهب الكلامية وكانت الأمصار وحواضرها الكبرى ميدانا لمطارحات الفرق المختلفة . فمن سلفيّ يقتصر في توصيفه سبحانه على الألفاظ الواردة في الكتاب والسنّة ويأخذ بمعانيها الحرفية من دون امعان وتدبّر ، ويرفع عقيرته بأنّ للَّه يداً ووجها وأنّه مستو ومستقرّ على عرشه وأنّ له رجلًاو . . . إلى معتزلي يجعل للعقل قسطاً أوفر في مجال العقائد والمعارف ويتجاوز حدّه فيؤوّل الكتاب والسنّة فيما لا يوافق معتقده وعقليّته . إلى مرجئيّ يكتفي في الإيمان بالقول ويقدّمه ويؤخّر العمل ، ولا يحكم على
--> ( 1 ) . الكافي ج 1 ص 109 ، باب الإرادة .