الشيخ السبحاني

76

مفاهيم القرآن

مناقشة هذه النظرية لاشك انّه سبحانه عالم بذاته ، وعالم بالنظام الأكمل والأتم والأصلح ، ولكن تفسير الإرادة بالعلم ، يرجع إلى انكار حقيقة الإرادة فيه سبحانه ، فانكارها في مرتبة الذات ، مساوق لانكار كمال فيه ، إذ لا ريب أن الفاعل المريد أكمل من الفاعل غير المريد ، فلو فسّرنا إرادته سبحانه بعلمه بالنظام ، فقد نفينا ذلك الكمال عنه ، وعرّفناه فاعلًا يشبه الفاعل المضطر في فعله ، وبذلك يظهر النظر فيما أفاده صدر المتألّهين والسبزواري . حيث تصوّرا انّ الإرادة والعلم شيء واحد بذاته ، مختلف بالاعتبار ، ولأجل عدم صحّة هذا التفسير نرى أنّ أئمة أهلالبيت - عليهم السلام ينكرون تفسيرها بالعلم . قال بكير بن أعين : قلت لأبي عبداللَّه الصادق ( عليهالسلام ) : « علمه ومشيئته مختلفان أو متّفقان » ؟ فقال - عليه السلام - : « العلم ليس هو المشيئة ، ألا ترى أنّك تقول سأفعل كذا إن شاء اللَّه ، ولا تقول سأفعل كذا إن علم اللَّه » « 1 » . وإن شئت قلت : « إنّ الإرادة صفة مخصّصة لأحد المقدورين ، أيالفعل والترك ، وهي مغايرة للعلم والقدرة ، لأنّ خاصيّة القدرة صحّة الإيجاد واللاإيجاد ، وذلك بالنسبة إلى جميع الأوقات وإلى طرفي الفعل والترك على السواء ، فلاتكون نفس الإرادة التي من شأنها تخصيص أحد الطرفين ، واخراج القدرة عن كونها متساوية بالنسبة إليهما . وأمّا العلم فهو من المبادئ البعيدة للإرادة ، والإرادة من المبادئ القريبة إلى الفعل ، فلا معنى لعدّهما شيئاً واحداً . نعم ، كون علمه بالمصالح والمفاسد مخصّصاً لأحدالطرفين ، وإن كان أمراً معقولًا ، لكن لاتصحّ تسميته إرادةً وإن اشترك مع الإرادة في النتيجة وهي تخصيص

--> ( 1 ) . الكافي ج 1 ص 109 باب الإرادة .