الشيخ السبحاني
26
مفاهيم القرآن
حتى ينعكس ما في ذلك العالم على قلب العارف وضميره ، ويدرك ما في ما وراء الطبيعة من الجمال والكمال ادراكاً يقينيّاً لا يخالطه الشك ، ولا يمازجه الريب ، ولكنه طريق ( قلّ سالكيه ) يختصّ بطائفة خاصّة ولا يكون حجّة إلّا لصاحب الكشف . وعلى كلّ تقدير فليس المدّعى لمن يسلك هذه الطرق الأربعة هو معرفة كنه الذات الإلهية وكنه صفاته وأسمائه ، بل المراد التعرّف على ما هناك من الجمال والكمال ونفي النقص والعجز حسب المقدرة الإنسانية . إلى هنا تبيّن إنّ التفكير الصحيح ممّا دعى إليه الكتاب العزيز والفطرة السليمة ، وهناك كلام للعلّامة الطباطبائي حول التفكّر الذي يدعو إليه القرآن وهو بحث مسهب نقتبس منه ما يلي ، قال : « إنّك لو تتبّعت الكلام الإلهي ثم تدبّرت آياته ، وجدت ما لعلّه يزيد على ثلاثمائة آية تتضمّن دعوة الناس إلى التفكّر أو التذكّر أو التعقّل أو تلقّن النبي الحجّة لاثبات حقّ أو ابطال باطل كقوله : « قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ ارادَ أَنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَامَّهُ » ( المائدة / 17 ) . أو ينقل الحجّة الجارية على لسان أنبيائه وأوليائه كنوح وإبراهيم وموسى وغيرهم من الأنبياء العظام ولقمان ومؤمن آل فرعون كقوله : « قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّمواتِ وَالْارْضِ » ( إبراهيم / 10 ) . وقوله : « وَاذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَىَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ انَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ » ( لقمان / 13 ) . وقوله : « وَقال رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنٌ آلِ فِرْعَونَ يَكْتُمُ ايمانَهُ اتَقْتُلُونَ رَجُلًا انْ يَقُولَ رَبِّىَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ » ( غافر / 28 ) . وقوله حكاية عن سحرة فرعون « قالُوا لَنْ نُوءْثِرُكَ عَلى ما جاءَنا مَنْ البَيِّناتِ