الشيخ السبحاني
19
مفاهيم القرآن
فقد غاب عن « ابن قتيبة » إنّ المراد من كونه سبحانه بكلّ مكان ليس هو حلوله فيه ، بل المراد أنّ العالم بكلّ أجزائه وذرّاته قائم به قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي وان وجوده سبحانه وجود فوق الزمان والزمانيّات والمكان والمكانيّات ، غني عنهما ، لا يحتاج إليهما ، بل هو الخالق لهما ، وأمّا الحديث الذي استدل به فليس فيه دلالة على تصديق رسول اللَّه بكلّ ما تعتقده الامّة بل انّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم اكتفى بما أظهرت من الاعتقاد الساذج بوجوده سبحانه ونبوّة نبيّه وان أخطأت في الحكم بأنّه في السماء ولم يكن الظروف - إذ ذاك - تساعد ، أو لم تكن الامّة مستعدّه لتفهيمها إنّه سبحانه منزّه عن المكان والزمان والجهة ، وإنّه ليس جسما ولاجسمانياً حتى يحلّ في السماء . 4 - بين التشبيه والتعطيل وهناك طائفة أخرى يسلكون طريقاً وسطاً لا يوافقون أهل التشبيه - بصبّ المعارف العليا في قوالب جسميّة وصفات ماديّة - ولا أهل التعطيل فلايسدّون نوافذ عقولهم وأفهامهم من التطلّع إلى ما وراء الطبيعة والوقوف على ما هناك من أسماء وصفات وحقائق رفيعه لا ينالها إلّا الأمثل فالأمثل من الإنسان ، وهؤلاء يقولون : إنّه يمكن للإنسان التعرّف على ما وراء الطبيعة بما فيها من الجمال والكمال والعالم الفسيح ، عن طريق التدبّر وامعان النظر ، إمّا بترتيب الأقيسة المنطقية وتنظيم الحجج العقلية ، أو بالنظر إلى ما يحتوي عالم الطبيعة من آثار ذلك الجمال وآياته ، فعنذ ذلك يخرج الإنسان عن مهلكة التشبيه ومغبّة التعطيل ، وإفراط المجسّمة وتفريط المعطّلة وهذا هو الذي يحصل به الجمع بين آيات القرآن والأحاديث الصحيحة وقد عرفت بعض الآيات الداعية إلى التدبّر والامعان في كلّ ما ورد في الكتاب من الحكم والمعارف « 1 » .
--> ( 1 ) . ويكفيك انّ الذكر الحكيم يستعمل مادّة التعقّل في مشتقّاته المختلفة 47 مرّة والتفكّر 18 مرّة واللب 16 مرّة والتدبر 4 مرّات والنهي مرّتين .