الشيخ السبحاني

46

مفاهيم القرآن

هماً واحداً انفرد به ، فخرج من صفة العمى ومشاركة أهل الهوى وصار من مفاتيح أبواب الهدى ، ومغاليق أبواب الردى ، قد أبصر طريقه ، وسلك سبيله ، وعرف مناره وقطع غماره ، واستمسك من العرى بأوثقها ، ومن الحبال بأمتنها ، فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس ، قد نصب نفسه للّه سبحانه في أرفع الأُمور من إصدار كل وارد عليه ، وتصيير كل فرع إلى أصله ، مصباح ظلمات ، كشاف عشوات ، مفتاح مبهمات ، دفّاع معضلات ، دليل فلوات ، يقول فيفهم ، ويسكت فيسلم ، قد أخلص للّه فاستخلصه فهو من معادن دينه ، وأوتاد أرضه ، قد ألزم نفسه العدل فكان أول عدله نفي الهوى عن نفسه ، يصف الحق ويعمل به ، لا يدع للخير غاية ، إلّا أمّها ، ولا مظنة إلّا قصدها ، قد أمكن الكتاب من زمامه ، فهو قائده وإمامه ، يحل حيث حل ثقله ، وينزل حيث كان منزله . ( « 1 » ) ولا أرى أحداً نظر في هذه الخطبة ، وأمعن النظر في عباراته وجمله ، إلّا وأيقن أنّ الموصوف بهذه الصفات في القمة الأعلى من العصمة . فهل ترى من نفسك انّ من لا يكون له إلّا هم واحد وهو الوقوف عند حدود الشريعة ومن ألزم على نفسه العدل ونفى الهوى عن نفسه ، أن لا يكون مصوناً من المعصية ، ومعتصماً من الزلل ، كيف وقد أمكن القرآن من زمامه ، فهو قائده وإمامه يحل حيث حل ، وينزل حيث نزل . قال ابن أبي الحديد : إنّ هذا الكلام منه أخذ أصحابه علم الطريقة والحقيقة وهو تصريح بحال العارف ومكانته من اللّه ، والعرفان درجة حال رفيعة شريفة جداً مناسبة للنبوة ويختص اللّه تعالى بها من يقربه إليه من خلقه . وقال أيضاً : إنّ هذه الصفات والشروط والنعوت التي ذكرها في شرح حال العارف إنّما يعني بها نفسه ، وهو من الكلام الذي له ظاهر وباطن ، فظاهره أن

--> ( 1 ) . نهج البلاغة الخطبة 83 ، طبعة عبده .