الشيخ السبحاني
29
مفاهيم القرآن
ولكن مع ذلك لا يبغيان ، أي لا يتجاوز أحدهما حدّه فيغلب على الآخر بخاصيته ، فلا الروح المجرّدة تجرّد البدن وتخرج به وتجعله من جنسه ، ولا البدن يجسّد الروح ويجعله مادياً . ( « 1 » ) تجد نظائر هذا في كتبه ، كالفتوحات المكية ، والفصوص ، فيطبّق كثيراً من الآيات القرآنية على كثير من نظرياته الصوفية ، وقد مني الإسلام بأصحاب الجمود في القرون الأُولى وحتى الآن ، كما مني بالمؤوّلة من الباطنية والمتصوّفة من أوائل القرن الثالث حتى الآن . التأويل باسم التفسير العلمي غير أنّ التأويل قد اتخذ في العصر الحاضر لوناً خاصّاً واسماً فخماً ، يطلق عليه التفسير العلمي ، فالغاية عند هذه الطبقة إخضاع القرآن للمكتشفات العصرية فيما يتعلق بالأجرام السماوية والأرضية ، والحيوانات والنباتات ، والجواهر المعدنية ، وقد ظهرت هذه النزعة في أواخر القرن الثالث عشر الهجري ، وأُلّفت هناك كتب أبسطها كتاب « الجواهر في تفسير القرآن الكريم » للشيخ طنطاوي جوهري المصري . لكن التفسير بهذا النمط ، إنّما يستحسن إذا وافق ظاهر الآية ، غير أنَّ المؤلفين في هذا القسم لا يكتفون بذلك بل يفسرون القرآن لغاية إخضاعه للمكتشفات ، ترى أنّهم يفسرون قوله سبحانه : ( وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ) ( « 2 » ) بالميكروب ، وقد ناقشنا هذا اللون من التفسير في بعض مسفوراتنا .
--> ( 1 ) . تفسير ابن العربي : 2 / 280 . ( 2 ) . الفيل : 3 .