الشيخ السبحاني

16

مفاهيم القرآن

منزلته ( « 1 » ) والأخذ عنهم فيما برعوا وفاقوا فيه ، وترك الاقتفاء والتبعية فيما لا حذق لهم فيه ولا براعة ، وهذا هو دأب الدين ، وهي السنّة القرآنية الّتي أمر الله سبحانه بها حيث قال : ( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ) ( « 2 » ) . وكذلك علم الحديث والسنّة ، فربّما يكون الرجل قدوة في الحفظ ، عارفاً بمتون الأحاديث وأسانيدها ، وليس له مقدرة علمية لتحليل مفادها والغور في أعماقها ، فيكون ذلك من موارد قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها ، فربّ حامل فقه غير فقيه ، وربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه » . ( « 3 » ) فليس كل من روى كلاماً للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، يقبل رأيه الّذي رأى ، ولا كل من حفظ اللفظ ، كان أهلًا لبيان كنه المعنى ، وما يستنبط منه ، بل لكل من الحفظ والنقد والتحليل رجال متخصّصون ، ولكل فن أهل وأرباب ، فمن خاض في علم بلا كفاءة كان خطاؤه أكثر من صوابه وكان ما يفسده أكثر ممّا يصلحه . هذا هو الأصل الّذي دعا إليه القرآن ، واستقرّت عليه سيرة العقلاء ، ولكن الغفلة عن هذا الأصل في بدايات القرون الهجرية الأُولى ، أحدثت تخبّطاً في الأوساط الإسلامية فنجمت بين المسلمين بدع يهودية وآراء مسيحية ، من القول بالتشبيه ، وإثبات المحل لله تعالى ، والجهة له سبحانه ، فوصف الباري - المنزّه عن كل نقص - بالجلوس ، والنزول إلى الأرض ، وأثبتت له الأجزاء والأعضاء كالوجه والعين واليد والرجل ، ونسب إليه الاستعلاء الحسي على العرش ، وكان السبب لهذا

--> ( 1 ) . روى مسلم في صحيحه : ( 1 / 5 ) عن عائشة أنّ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أمرنا أن ننزل الناس منازلهم . ( 2 ) . البقرة : 189 . ( 3 ) . سنن الترمذي : 5 / الباب 7 ، كتاب العلم ، الحديث 2657 ؛ مسند أحمد : 2 / 225 .