الشيخ السبحاني
10
مفاهيم القرآن
الأوصاف والآثار على الوجه الأكمل والأتم . فإذا كان النور الحسّي أسرع الأشياء المادية في السير والدوران ، فالنور الّذي يحمله القرآن الكريم مثله في السرعة والانتشار ، فقد انبثق نور القرآن من أُمّ القرى وانتشر بسرعة فائقة في أجواء العالم ، وبدّد الظلام عن أُمّ القرى وما حولها إلى أن وصل إلى منتهى الخف والحافر . وإذا كانت الحياة المادية لا تستقر في هذا الكوكب إلّا بضوء الشمس فالحياة المعنوية لا تستقر في هيكل الفرد والمجتمع ، إلّا بالإيمان والعمل الصالح ، ولا يهتدي الإنسان إلى كل منهما إلّا ببركة الوحي المجسّد في الذكر الحكيم . وإذا كان ضوء الشمس ونور الكوكب يبدّد الحجب في البوادي والصحاري والمدن والبلدان فيغيب المجرم ، ويختفيالمسيء ، فالنور المعنوي الّذي يحمله القرآن ومثله كل وحي سماوي ، يضيء المجتمع وينوّر القلوب ، فلا تجد فيه مجالًا لظهور الرذائل وانتشار المساوئ ، وإنّما تظهر رذائل الأخلاق في غياب الإيمان والقرآن عن المجتمع . وإذا كان النور الحسّي يكافح العوامل الهدّامة للحياة ، فالنور المعنوي أيضاً يكافح الغي والفساد ، والهرج والمرج ، والجهل والفقر ، وغيرها من الأُمور الّتي تعد من العوامل الهدّامة لحياة الإنسان المعنوية . ولأجل ذلك نرى أنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يأمر بالتمسّك بالقرآن الكريم عند التباس الفتن على الإنسان كقطع الليل المظلم ويقول : « إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنّه شافع مشفّع وماحل مصدّق . . . » . ( « 1 » )
--> ( 1 ) . الكافي : 2 / 238 .