الشيخ السبحاني

93

مفاهيم القرآن

ثم إنّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لم يخص هذين النبيين العظيمين بالإتيان بالمعاجز ، بل أثبتها لكثير من الأنبياء من قبله كما هو لائح لمن سبر أحوالهم في القرآن المجيد . وعند ذلك ، كيف يكون للنبي الأعظم وهو يخبر بهذه المعاجز للأنبياء ويصف نفسه بأنّه خاتمهم وآخرهم ، وأفضلهم ، إذا طلبوا منه إظهار المعجزة ، أن ينكص ويتهرّب ، أو يلوذ بالصمت ، أليس في مثل هذا ما يوهن دعوته ، وينقض أقواله ؟ لو فرضنا أنّ النبي الأعظم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لم يكن إلّا نابغة من النوابغ الذين نهضوا لإصلاح أُمّتهم متستراً برداء النبوة ، لما كان يصح منه أن يخبر بمعاجز للأنبياء الماضيين ثم ينكص هو نفسه عن الإتيان بمثلها ، ومع ذلك يزعم أنّه خاتمهم وأكملهم ديناً ، فكيف وهو نبي صدقاً وحقاً ، قد بانت دلائل صدق دعوته ، بأوضح الدلائل وأتقن البراهين ؟ فالمحاسبة العقلية تحكم ببطلان ما زعمه القساوسة ، بل تثبت بكل قوّة أنّ النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قد أظهر معاجز عديدة لقومه عندما طلبوا منه ذلك ، كيف ، والقرآن يصفه بما لا يصف به أحداً من أنبيائه ؟ وهو يقتضي عقلًا أن يكون له مثل ما أُوتي سائر الأنبياء ، وأن يكون قد أتى بها مبرهناً على صدق دعوته خصوصاً إذا توقفت هداية قومه على إظهار معاجزه .