الشيخ السبحاني

76

مفاهيم القرآن

القوم كأنّه حكم على توابعهم ولوازمهم بالمجيء ، ولأجل ذلك لا يصح أنّ يقال : جاءني القوم إلّا الشجر . وعلى ذلك فالمصحح لاستثناء المودّة في القربى هو دخولها في المستثنى منه بنحو من أنحاء الدخول إمّا حقيقياً أو حكمياً ، وحينئذ فلو قلنا : إنّ أجر النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم هو مودّة أقربائه بما هي هي ، وبما أنّها مطلوبة بذاتها ، لصح الاستثناء لدخولها في الأجر دخولًا حقيقياً ، ويصح أن يطلق عليه الأجر على نحو الحقيقة . وإن قلنا : بأنّ أجر النبي هو مودة أقربائه بما أنّها ذريعة لتكامل الأُمّة في مرحلتي الفكر والعمل ، لصح الاستثناء أيضاً ، لكونها داخلة في الأجر دخولًا حكمياً ، وعلى كلا التقديرين يصح أن يطلق عليه الأجر ، وبتبعه يصح الاستثناء والاستدراك . وأمّا لو قلنا : بأنّ المراد هو مودة كل ذي رحم لرحمه كمودة المسلم الأفريقي لأخيه والآسيوية لأُختها ، فذلك وإن كان أمراً مطلوباً لكن لا يشمله لفظ الأجر لا حقيقة ولا عناية حتى يصح الاستثناء والاستدراك . وعلى الجملة فالأجر الوارد في الآية إنّما يراد منه ما يرجع إلى الإنسان الطالب للأجر رجوعاً واقعياً أو ظاهرياً ، وهو لا يحصل إلّا أنّ تفسر المودة ، بمودة أقرباء ذلك الرجل الطالب . وأمّا إذا أُريد منه مودة كل بعيد لرحمه ، فذلك لا يعد أجراً حتى بصورة الظاهر ، ليصح الاستثناء ؛ وإن شئت قلت : إنّ الأجر هو المكافأة والإثابة على العمل ، ولا يطلق إلّا على الشيء الذي تعود نتيجته إلى العامل بنحو من الأنحاء ، وعلى ذلك فالمستثنى يجب أن يكون من جنس المستثنى منه ، أو مرتبطاً به بنحو من الارتباط لا أجنبياً عنه ، فعندئذٍ لو أُريد مودة نفسه وأقربائه ، لصح أن يستثنى من الأجر المنفي لدخوله في المستثنى منه ، وأمّا إذا أُريد مودة كل رجل لرحمه فلا يشمله لفظ الأجر حتى بنحو العناية والمجاز ، ليصح الاستثناء ، ولا يتوجه ذهن